10.5.17

حوار مع سماء الهمداني

نُشر الحوار التالي قبل حوالي شهر في ال٧ من أبريل ٢٠١٧. 



مجلس الشيوخ في واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية، الفعالية كانت عن الحرب في اليمن ومدى تأثير السياسات الخارجية للإدارة الأمريكية في الحرب. الفعالية كانت بتنظيم كلاً من المركز العربي لحقوق الإنسان، و منظمة مشروع اليمن لسلام. والمتحدثين: الناشطة الحقوقية اليمنية والرئيسة التنفيذية لمنظمة مواطنة، رضية المتوكل،، إلى جانب الكاتبة والباحثة في الشؤون اليمنية، سما الهمداني. سما لها مقالات في عدد من الصحف العربية والدولية ولها ظهور عديد على التلفزيونات كمحللة سياسية عن قضايا اليمن. سما أيضاً مؤسسة منظمة يمنيات الغير ربحية التي تهدف لتقديم المشورة بخصوص قضايا اليمن. أثناء انعقاد الفعالية، في بيان لها، اصدرت السفارة اليمنية في واشنطن بيان تعترض فيه على استضافة الكونجرس لناشطتين "يدعمان الانقلاب" على قول البيان، و بعد الفعالية كان هناك عاصفة من الإحتجاجات وردود الأفعال السلبية، بالأخص تجاه طرح سما الهمداني بزعم أنها "حوثية". حتى هذه اللحظة لم يكون هناك تصريح رسمي لسما الهمداني تعقيباً على حملات الهجوم الإعلامية التي تعرضت لها خلال الاسبوع الماضي. في هذا اللقاء لنا حديث خاص مع سما حتى نفهم منها مالذي حدث بالضبط؟ ولنطرح عليها كل الأسئلة الصعبة.

                                                                                    لإستماع الحوار إضغط هنا


بي بي سي: الساعة الأولى من إكسترا في أسبوع مع أفراح ناصر

منقول من صفحة بي بي سي عربي: 

يستضيف اكسترا في أسبوع الكاتبة والمدونة الصحفية اليمنية المقيمة في السويد أفراح ناصر ..

أفراح مهتمة بالكتابة في مجال حقوق الإنسان وتقول إنها تريد أن تعطي وجها إنسانيا للإحصاءات والتقارير الإخبارية حول بلدها اليمن

تحدثت معنا أيضا عن الحرب في اليمن بعد مرور سنتين على اندلاعها والهوايات الممنوعة على الفتيات اليمنيات مثل الدراجة الهوائية .. وأخبرتنا أي قهوة تحب أكثر اليمنية أو الاثيوبية وكيف تحبها؟

                                                                                               للإستماع إضغط هنا.

https://audioboom.com/posts/5772837-

مع بلقيس اللهبي وعبدالغني الإرياني



في بداية ٢٠٠٩ في صنعاء كنت في بداية العمل الصحفي في صنعاء مع صحيفة يمن أوبزرفر. ذهبت أغطي فعالية، ورشة عمل عن...لا أتذكر بالضبط، المهم كانت بلقيس اللهبي من المشاركات. في سياق النقاش رفعت بلقيس يدها وكان لها مداخلة قوية عن تهميش النساء في اليمن. قالت جملة لاأنساها حتى اليوم. قالت: عن اي تمثيل نسائي تتحدثون ونحن النساء حتى اليوم لانملك حتى حق المشي في الشارع والمساحات العامة بسلام! من وقتها وأنا أكن لبلقيس كل التقدير والمحبة.  وأيضاً مع بداية عملي في الصحافة في نهاية ٢٠٠٨٨ وأنا أتابع كل مايكتبه الباحث اليمني عبدالغني الإرياني. الرجل هذا ممكن نقول عنه أنه يعرف كل زغط (مدخل) في شوارع السياسة في اليمن. حتى أختصر الحكاية، قصة حب بين النجوم بلقيس وعبدالغني تكللت بالزواج مع نسيم ثورة اليمن في ٢٠١١. فرحت للخبر وفرحت للخبر أكثر عندما رأت "شمس" النور، شمس إبنة نجمايّ.

المهم، مرت السنين، وفِي بداية هذا العام القدر شاء أن أقابل نجمايّ وشمس وأن أخذ صورة سلفي معهما. لم أعرف وقتها أن نجمايّ متواضعين في الحقيقة هكذا. تبادلت أطراف حديث عن المولدين في اليمن مع بلقيس وكنت احاول أتظاهر بأني كول وهي تفتح قلبها لي وانا في نفسي ازقزق فرحاً،،،، وإكتشفنا أنا وعبدالغني أن قريتنا في يريم في إبّ هي نفسها، اللهم أني أنحدر من قبيلة بني مسلم بينما عبدالغني ينحدر من قبيلة ... نسيت. عموماً لاأنسى الإبتسامة على وجه عبدالغني وهو يقول لي: بيتكم في يريم على بعد نظرة من نافذة بيتنا في القرية. وقال لي أيضاً: إن شالله لما الحرب تنتهي سنذهب سوياً إلى يريم.

الله على تواضعهم والله على المحبة. إلى أن ينتهي قصف الجبهات على الفيس بوك اليمني سأنحني قليلاً حتى لاتصيبني رصاصة طائشة وسأبحث بين الصور عن نجومي بعد أن أتئمل في نجمايّ بلقيس وعبدالغني.

الصورة من مؤتمر الناس الرايقة في بداية ٢٠١٧ في مدينة لالالاند.

_____________________

5.5.17

حرب اليمن والإعلام والدعاية




يعتبر الإعلام اليمني هو العنصر الأكثر تأثراً بالحرب المشتعلة الآن في اليمن؛ في واقعة غير مسبوقة، أصدرت محكمة مسيطر عليها من جانب الحوثيين حكماً بالإعدام، في إبريل/نيسان الماضي، ضد الصحفي يحيى الجبيحي، بتهمة التخابر لصالح السعودية، مما يعكس المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها العاملين في الإعلام اليمني.

انعكست الحرب في اليمن سلباً على الإعلام على مستويات عدة، ففي عام 2016، وفي خطاب تلفزيوني، حذر قائد الحوثيين، عبد الملك الحوثي واصفاً الإعلاميين “بأنهم أخطر على البلاد من القوميين والمرتزقة،” مما يظهر عداء الميليشيات ضد الإعلام. يعوق هذا العداء قدرة الإعلام على توصيل الأخبار والتقارير عن حرب اليمن، مما يعمل على تجهيل متابع الأخبار اليمنية، حيث يعتمد على إعلام الميليشيات ويجعله ضحية سهلة للدعاية.

الحرب على الإعلام

يعاني الإعلام اليمني من تدهور وتراجع، حيث تمارس عليه الضغوط أثناء الصراع الحالي، ووفقا للمركز الوطني للمعلومات في اليمن، فإنه قبل سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، كان لدى اليمن حوالي 295 قناة إعلامية، أربعة منها مملوكة للدولة، وأربعة عشر قناة تلفزيونية خاصة. بالرغم من هذا الاتساع الإعلامي، إلا أن مؤسسة فريدوم هاوس وضعت حرية الصحافة اليمنية ضمن القائمة الأسوأ في العالم، ومنذ ذلك الحين وهي في تراجع.

تعتبر السيطرة على الخطاب المحلي والعالمي مسألة حيوية بالنسبة للحوثيين. حينما سيطرت قوات الحوثي على صنعاء في 2014، قاموا بقصف مقر تلفزيون الدولة، بعدها على الفور قاموا باستبدال العاملين المهنيين في الإعلام بعاملين آخرين مواليين للحوثي. بينما كان يحدث ذلك في المناطق التي تقع تحت سيطرة الحوثيين، تم إغلاق الصحف والقنوات في الشمال والجنوب، كقناة الثورة التابعة للدولة وصحيفة 14 أكتوبر. قام الحوثيون بالسيطرة على قناة الثورة وحولوها إلى منبر موال للحوثيين يقوم بتغطية الشمال فقط، ومرت صحيفة 14 أكتوبر بنفس الظرف من قبل ائتلاف الجنوب. في المناطق التي تقع تحت سيطرة الحوثيين، تم شن حملة على الإعلام، حيث قام مزود خدمة الإنترنت، يمن نت، بحجب مواقع معينة تناهض الحوثيين، كما اتهم وزير الإعلام الحوثي المنابر الإعلامية بـ “التحريض على الخيانة”. أصبحت السيطرة على وسائل الإعلام أوسع انتشارا في العام 2015 عقب بدء السعودية في حملتها.

الآن، وفي المناطق التي تقع تحت سيطرة الحوثيين، هناك عشرة مطبوعات ورقية مملوكة للحوثيين، وقناتين تلفزيونيتين مملوكة لهم أيضا، وقناة تلفزيونية واحدة مملوكة للرئيس السابق علي عبد الله صالح. في الجنوب، هناك عدد من القنوات التلفزيونية والصحف مستمرة في العمل، والأكثر انتشارا تعود ملكيتها إلى الرئيس عبد ربه منصور الهادي أو إلى الجنرال محسن الأحمر، كما أن هناك ثلاث مجموعات إعلامية مستقلة.

كانت أكثر الانتهاكات دموية ضد الصحافة في اليمن حين قامت قوات الحوثي باتخاذ اثنين من الصحفيين اليمنيين كدروع بشرية لحماية منشأة عسكرية مما أدى إلى وفاتهما. في واقعة أخرى، تم دس السم للمدون والمحقق الصحفي محمد العباسي، والذي عرف بكتابة تقارير عن فساد الحوثيين. بينما يعتقد الكثير بإن الحوثيين متورطون في هذا الحادث، إلا أن التحقيقات مازالت جارية. هذه الانتهاكات الواسعة ضد الصحافة في اليمن لم تجعل من اليمن أخطر الأماكن لعمل الصحفيين فحسب، لكنها أيضا تسببت في وضع الحوثيين كثاني أسوأ منتهكين لحرية الصحافة في العالم – وكان المركز الأول من نصيب تنظيم داعش.

في نفس الوقت، بدأ هادي وحكومته التركيز على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، كأداة وحيدة لنشر المعلومات منذ اليوم الذي هربوا فيه من صنعاء إلى عدن في فبراير/شباط 2015. تمكن هادي من الهروب بمساعدة وزيرة الإعلام السابقة نادية السقاف، والتي كانت تقوم بنشر منشورات على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” حول حالته الصحية الحرجة المزعومة تحت حصار الحوثيين. تم إصدار الأوامر لمسئولين آخرين كي ينشطوا على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، كما صرح مسئول يمني فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية. ركزت إدارة هادي على استخدام الإنترنت كوسيلة لنشر المعلومات في بلاد لا يتسنى سوى لربع مواطنيه الدخول على الإنترنت، وهم النخبة بالأساس. يبدو أن الحكومة المنفية تهتم أكثربتوجيه خطابها للمجتمع الدولي أكثر من اليمنيين.

تمثيل معيب لوسائل الإعلام

كنتيجة مباشرة لتعويق الإعلام وانحيازاته، فإن كلاً من المجتمع الدولي والشعب اليمني يحصلان على صورة مشوشة عن الحرب في اليمن. هذا الاضطراب في مجال الإعلام قلل من شأن أي تغطية إعلامية شاملة نسبياً للحرب في اليمن. كل طرف في التغطية الإعلامية يركز على اعتداءات العدو، وبشكل عمدي يقوم بتضخيمها، وذلك لتقديم الآخر بوصفه المعتدي الوحيد. الأهم هو أن كل طرف من الإعلاميين لا يؤجج الخطاب الطائفي بالضرورة، لكنه يؤجج الانحيازات الإقليمية والعدائية والعنف من خلال أنسنة طرف وتشويه الطرف الآخر. على سبيل المثال، كل طرف يصف الآخر بالمرتزقة سواء لصالح السعودية أو إيران، كما يتحدث عن قتلاه وكأنهم القتلى الوحيدون المستحقون للقب “ضحايا.”

كما تروي القنوات الإعلامية الاستقطابية رواية مختلفة عن بداية الحرب. بالنسبة لمؤيدي الحوثيين وصالح، فإن الحرب بدأت حين شنت السعودية مع حلفائها حملتها، بينما تؤكد وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة المنفية أن الحوثيين قاموا بانقلاب عسكري. بالنسبة لليمنيين، من المستحيل الحصول على صورة كاملة للصراع. في الشمال، فإن غير المسيسين يميلون تدريجيا لأن يتحولوا إلى تأييد الحوثيين، لإن معظم وسائل الإعلام موالية للحوثيين، والعكس صحيح في الجنوب. وكلما ازدادت الروايات المنحازة للحرب، أصبح من الصعب الوصول إلى اتفاق مصالحة وطنية ومحلية.

لدى وسائل الإعلام الدولية، خاصة العربية، مشاكل مختلفة بالنسبة للتغطية. بنظرة سريعة لعناوين الأخبار نرى أن هناك نقص في التغطية لليمن مقارنة بالأحداث العالمية الأخرى، وقلما ما تتصدر المقالات حول اليمن العناوين الرئيسية. هناك ثلاثة أسباب لهذا: أولا، أن قوات الحوثي إما تخفي قسرياً أو تسجن كل صحفي يمني لا يعمل في الدعاية لها، ثانيا، أن السعودية تشتري صمت الإعلام إلى جانب توظيف شركات علاقات عامة لتحسين صورتها في الإعلام، وأخيراٍ، فإن الصحفيين الأجانب المستقلين لا يمكنهم دخول البلاد.

يشعر اليمنيون المنتقدون للتغطية المحلية والدولية بخيبة الأمل والإحباط، فالمعلومات المنقوصة إلى جانب الشعور بالإحباط هما العاملين الأساسيين اللذين يستغلهما الأطراف المتحاربة والجماعات المتطرفة مثل داعش لتجنيد ضحاياهم.

أغلب الصحفيين اليمنيين الذين أخذت آرائهم لكتابة هذا المقال قالوا بأنهم لا يعملون لأنهم أجبروا على العودة إلى قراهم للهرب من حملات الحوثيين. أحد الصحفيين أشار إلى أن “هذا الحد من الاستقطاب في الإعلام اليمني غير مسبوق. المشكلة أنه لا يوجد مكان لمساحة وسط، على أحد الجوانب، فإن الحوثيين يسمحون فقط للصحافة التي تنحاز لصالحهم بالتواجد، وكذلك الحكومة اليمنية المنفية. كل ما لديك في اليمن الآن هو الدعاية، ويمكنك نيل دعم أي الطرفين فقط إذا خضعت لدعايتهم.”

_______________________________________________________________
*بقلم\ أفراح ناصر
٤-٥-٢٠١٧

24.3.17

كيف يخدم مهرجان أفلام حقوق الإنسان قضيتنا من جنيف؟

من الفيلم الوثائقي العراقي: Nowhere to hide. 

*انطلق مهرجان الفيلم والمنتدى الدولي لحقوق الإنسان في جنيف (fifdh.org) في نسخته الخامسة عشرة (10-19 مارس).

المهرجان، الذي يتزامن مع انعقاد دورة مجلس حقوق الإنسان في مكتب الأمم المتحدة في المدينة، يسلط الضوء على واقع انتهاكات حقوق الإنسان في العالم، خارج سرب الخطب الدبلوماسية والأممية.



هذه الدعوة بحد ذاتها خطوة لمصلحة حقوق الإنسان العربي، لأن التمثيل العربي المستقل في المحافل الدولية الحالية ليس كافياً، ناهيك بغياب التمثيل اليمني.

قد حضرتُ عدداً من الأفلام الوثائقية العربية وغير العربية والنقاشات، لأنقل لكم ما صوّرت العدسات من واقعنا.

ولأن في جعبتي قصص المجاعة والحرب في اليمن، وكل النزاعات والحروب والكوارث الإنسانية، في عدد كبير من بلدان منطقتنا، سطرت خطين تحت أسماء الأفلام الوثائقية عن الدول العربية، في بروشور المهرجان. سنحت الفرصة لي حتى الآن مشاهدة الأفلام التالية، مع الجمهور أو مع لجنة التحكيم خلال عروض حصرية. وهي أفلام شفافة، صادقة، تعبّر عن هموم الملايين في الوطن العربي والعالم.

Tickling Giants

فيلم للإعلامي المصري الساخر باسف يوسف، مقدم برنامج البرنامج، الذي حصد مشاهدات هائلة. الفيلم يوثق تجربة يوسف المثيرة للجدل، على مدى أربع سنوات، والتحديات التي واجهته في سبيل الاستمرار في عرض البرنامج. وكيف اضطر إلى إيقاف عرضه. المجهود الذي بذل في متابعة باسم يوسف على مر كل تلك الأعوام، يعتبر عملاً دؤوباً، وقصة باسم يوسف، هي انعكاس لانكماش مساحة حرية الرأي في مصر.

لكن عتبي على منظمي المهرجان، هو أنهم دعوا صوتاً مصرياً يعطي تعليقه أو شرحه للوضع في مصر بعد عرض الفيلم. فذلك مثلاً، كان ممكناً أن يثير نقطة، كيف أن رغم معرفة الغرب بسياسة تكميم الأفواه في مصر، ما زال عدد من الحكومات الغربية متحالفاً مع النظام القمعي في مصر. أحببت أن باسم يوسف صُوّر في الفيلم كرمز لحرية التعبير في مصر، لكن مع انتهاء النقاش عند هذه النقطة، يحشر في زاوية الضحية. فمن يخبر الغرب أننا أكثر من مجرد ضحايا أنظمتنا القمعية؟
 


The War Show

فيلم آخر ينقل صورة مأسوية لجزء من واقع ضحايا الحرب في سوريا، للمخرج الدنماركي Andreas Dalsgaard والمخرجة السورية والصحافية Obaidah Zytoon. الفيلم يوثق قصص عدد من الأصدقاء السوريين والسوريات، الذين عملوا على تصوير أنفسهم، بدءاً من بداية الثورة حتى العام الماضي. يأخذكم الفيلم في فصول القضية السورية بشكل سلس، ليشرح تفاصيل معقدة بسرد بسيط وإنساني. الفيلم بعيد كل البعد عن الأفلام الوثائقية المعدة لوسائل الإعلام التقليدية، وطريقة السرد من النوع السهل الممتنع.

من العبارات التي لا تزال ترن في رأسي بعد مشاهدة الفيلم هو "عرض الجريمة مستمر، تحت كاميرات العالم". ستشعرون بمرارة الجريمة في نهاية الوثائقي ومعرفة أن عدداً كبيراً من أبطال الوثائقي قضوا نحبهم.




Nowhere to Hide

فيلم آخر من العراق للمخرج Zaradasht Ahmed، الذي يحكي عن جحيم الحياة في إحدى المدن الصغيرة "جلولاء"، أثناء اجتياح قوات الدولة الإسلامية (داعش) وبعده في السنوات الأخيرة. الفيلم يوثق قصة نوري شريف، الذي يعمل ممرضاً في مدينته جلولاء، حيثُ يعيش حياة بسيطة مع زوجته وأطفاله. بعد أن أقنعه زارادشت، حمل نوري الكاميرا، ليوثق تفاصيل الحياة اليومية وسط عملية اجتياح قوات الدولة الإسلامية للمدينة. "لا أحد يفهم هذه الحرب العبثية"، يكرر نوري الجملة هذه في مجريات الوثائقي، ويعبر عما يدور في أذهان الكثير من ضحايا الحروب في منطقتنا العربية. دفعتني هذه الجملة للبكاء مراراً أثناء مشاهدتي الفيلم لأنها تعبر تماماً عما أريد أن أقوله عن الحرب في اليمن.


Syria's disappeared: a case against Assad

تميز المهرجان بإقامة العرض العالمي الأول لهذا الوثائقي من سوريا عن المخفيين قسرياً والتعذيب في السجون، إذ يوثق شهادات الضحايا ورغبتهم في تحقيق العدالة لكل المخفيين والمعتقلين. عدا الصور المأسوية المعروضة في الوثائقي، هنالك شهادات تدمي القلوب من الناجين من سجون الاعتقال والتعذيب الوحشي. فإذا لم تنصف العدالة أصحابها، فإن هذا الفيلم سيغير نظرة الكثيرين للقضية السورية، في سبيل نصرة الإنسانية ومناهضة التعذيب والإخفاء القسري.

من الفيلم الوثائقي السوري: Syria's disappeared: a case against Assad

I am not your Negro

فيلمٌ سرق قلبي، إذ يناقش العنصرية في أمريكا من خلال سرد جزء من مذكرات الكاتب الأمريكي الأفريقي جيمس بالدوين. يتحدث الفيلم عن كيف يحدد لون بشرتك تجربتك في العالم. أتحدث هنا عن السياق الوجودي، وليس عن تجارب الحياة العادية، فمستحيل أن لا نعترف بأننا نعيش في عالم يسوده منطق "سيادة البيض"، أو ما يعرف بالإنجليزية بـ"white supermacy"، التي كانت ولا تزال مشكلة أي حضارة وصلت لها البشرية أينما كان.

أدعو كل عربي لمشاهدة الفيلم، وأراهن على أن لدى كل عربي ألف سبب لأن يصرخ أيضاً: I am not your negro!




هل المشترك اليمني في آراب أيدول هو #فرحة_وطن حقاً؟




*يطلّ المتسابق اليمني عمار العزكي كل أسبوع في حلقات برنامج Arab Idol الغنائي على شاشة قناة MBC، من دون أن ينسى إظهار اللمسة اليمنية التي تميّزه عن سائر المتسابقين والمتسابقات. 

منذ بداية مشاركته في البرنامج، الذي انطلق موسمه الرابع في نوفمبر الماضي، يتفنن عمار في عرض أثره اليمني الذي يتجسد إما في تركيزه على أغانٍ يمنية أو من خلال اللباس اليمني، أو الاثنين معاً. كأنه يبعث برسالة أنه هنا ليس لمجرد الغناء فقط، إنما أيضاً ليمثل بلاده. 

بل أكثر من ذلك، مع كل حلقة تتنامى ثقة عمار بنفسه، فقاعدة محبيه في تزايد مع كل أسبوع يمر من عمر البرنامج، وهو تأهل إلى المرحلة النهائية، لينافس زميليه يعقوب شاهين وأمير دندن من فلسطين على اللقب للموسم الرابع.


علماً أن النتيجة النهائية تتحدد خلال أيام، احتمال فوز عمار عالٍ. الشاب البالغ من العمر 27 عاماً، أحد أبناء محافظة المحويت، الواقعة شمال اليمن، أصبح نجماً في اليمن، حتى لو لم ينل اللقب، فصوره واللافتات الداعية للتّصويت له في السباق الغنائي، تملأ شوارع العاصمة صنعاء. 

يبدو هذا النجم اليمني كأنه خرج من وسط الظلام والمعاناة، ليصبح أحد أسباب بهجة اليمنيين، الذين لخّصوها بنشر هاشتاغ #فرحة_وطن.

هل تعيش اليمن حقاً #فرحة_وطن في رؤية ممثل لها في Arab Idol؟

ما تعيشه اليمن منذ بداية الحرب الأهلية نهاية 2014، ثم بداية حرب التحالف السعودي على جماعة الحوثيين في 2015، بعيد كل البعد عن أي فرحة. ستدخل الحرب عامها الثالث، وآلاف اليمنيين لقوا مصرعهم أو اُصيبوا، وبات الملايين بلا غذاء، ولا دواء، ولا منزل، ولا تعليم، يعانون من النزوح، والحصار، من دون أن تبرز أي مساعدة إنسانية لهذا الشعب في خضم الصراع الدائر في البلاد. فهل هناك فعلاً متسع للفرح؟ وماذا لو فاز عمار باللقب؟ وما الذي يعنيه ذلك لليمن المنكوبة؟

رغم أن عمار كان يقيم في الإمارات قبل مشاركته في البرنامج، إلا أنه لم ينجُ تماماً من لهيب الحرب في اليمن. يغني وهو يفكر بزوجته وأطفاله في اليمن، المهددين بالقصف في أي وقت. ومن ذلك، تجنب التجييش لأيّ من أطراف الحرب، وكان وما زال حيادياً في تعليقاته عن كل ما يخص الأوضاع في اليمن. وكان يشيد باهتمام اليمنيين به في الداخل والتصويت له، برغم الوضع الاقتصادي المزري.


لكن الأمر لم يرق كل متابعيه، إذ يثير وجود عمار في برنامج آراب أيدول وجهاً آخر للاستقطاب الحاد، الذي هو سيد الحالة اليمنية. فنجد قلة اهتمام من اليمنيين الجنوبيين، كأن عمار لا يمثل إلا شمال اليمن، لتتضح آثار الانقسام المناطقي جراء الحرب، وانعكاسها حتى على المساحات الفنية.


كان الإعلام المحلي ووسائل التواصل الاجتماعي مرآة ذلك الانقسام، فهناك من يصوت لعمار بدافع الاحتجاج على الحرب، حتى لو لم يكن من المعجبين بصوته، وهناك من يرى أن في اليمن أولويات أهم من الفن والتصويت لمشترك في برنامج غنائي.

لولا الإنقلاب لما أثير موضوع الشرعية أصلاً



*إن مرحلة التيه التي نعيشها حالياً، بالإضافة الى كونها متشعبة جداً فهي عميقة جداً. عميقة لدرجة تجعل الشخص يكتب الكلام الذي يدينه ويظن أنه يدعمه. لدرجة أن نفس الكلام ونفس النص يسخر لصالح قضية وهو في الواقع ضدها. أو بشكل اكثر حياداً تجعل ما تفهمه فئة كخادم لقضيتها تفهمه فئة أخرى كهادم لها من الأساس.

تناول عدد من النشطاء الحوثيين مؤخراً منشوراً للمؤتمري عادل الشجاع يضع فيه مقارنة بين الوضع في كوريا الجنوبية والوضع في بلادنا. ويقول أنه برغم أن رئيسة كوريا الجنوبية كانت شرعية إلا أنه تم عزلها عند ثبوت خيانتها للأمانة التي منحها الشعب إياها بينما في اليمن يتم التحجج بشرعية الرئيس هادي لشن الحرب. يرددونه ذلك المنشور لدرجة التغني لكونه كما يزعم ويزعمون يخدم قضيتهم.

كم أتمنى لو تمكنت من الفكاك من الإخلاقيات التي وضعتها على كتاباتي حتى أخذ راحتي في نسف الشجاع وكلامه. لكن لن أفعل وسأركز فقط على الموضوع.

ترى هل هناك فعلاً وجه للشبه بين حالة كوريا الجنوبية واليمن. الجواب نعم في حالة واحدة أما الباقي فلا وألف لا. في كوريا الجنوبية هناك رئيسة منتخبة ديمقراطياً كما الرئيس هادي أيها المؤتمريون الإنقلابيون إن كنتم لا تزالون تذكرونّ وذلك وجه الشبه الوحيد. أما الباقي فمختلف تماماً.

لو أن مجموعة مسلحة من الشعب الكوري الجنوبي مدعومة من دولة ما لم تخض الإنتخابات وأنتهجت العنف واستخدمت السلاح لا جتياح المدن واحدة بعد أخرى حتى اسقطت العاصمة سيول وحاصرت الرئيسة المنتخبة واعتقلت الحكومة المتوافق عليها من الجميع بما فيها هم. ونهبت سلاح الدولة والجيش وذهبت له الى صعدتهم ووصفت الشعب بأنه دواعش وبدأت تخوض الحروب في كل الجهات للسيطرة على الحكم بالقوة المسلحة. أكان يمكن أن يسمح لذلك في كوريا الجنوبية أن يمضي؟ ليراجع الشجاع نفسه وليسأل مؤيدوه أين حصل هذا هل في كوريا أم اليمن؟

في كوريا خانت الرئيسة ثقة شعبها وذلك لا جدال فيه، فاتجه الناس لإسقاطها عبر المؤسسات الدستورية لا عبرالمليشيات وبسلاح القانون لا بسلاح المدفعية والدبابات المنهوبة. في كوريا المعركة مع الرئيسة لا مع الشعب أما في اليمن المعركة بين شعب وأنقلاب.

16.2.17

مقاومة الشباب في صنعاء: سينما تحت القصف



يصف قول الكاتبة الأمريكية بيل هوكس، "إن الثورة تبدأ داخل النفس ومع النفس"، ما بدأته الإعلامية والناشطة اليمنية سماح الشغدري. ثورة الشغدري، بدأت داخل ساحات الاعتصامات في صنعاء عام 2011، ولا تزال مستمرة في مبادئها ضد العنف والطائفية، إنما بأسلوب مختلف. كامتداد للثورة، أطلقت الشغدري مبادرة "سينما صوت" في نوفمبر 2015، كحراك ثقافي ينتقد الحرب وأضرارها، بعد عدة أشهر من اندلاعها.


وفقاً لتقرير الأمم المتحدة، قتل الصراع في اليمن عشرة آلاف شخص على الأقل. فمن يصدق أن يتم افتتاح سينما وسط الموت والدمار!

صوت الشباب

تأخذ "سينما صوت" شكل do it yourself وتقام أسبوعياً في أحد مقاهي العاصمة اليمنية صنعاء. الدخول إليها مجاني، وتُعرض من خلالها أفلام سينمائية ووثائقية، تتطرق إلى مواضيع تمس واقع الإنسان تحت الحرب، مثل المذهبية والطائفية وتجنيد الأطفال، وضرورة تعزيز مبدأ التعايش والسلام.

في المرحلة الأولى للمشروع، عرض 20 فيلماً، وفي المرحلة الثانية 13 فيلماً، بين المحلي والعربي وغربي.




فعُرض مثلاً من لبنان "وهلأ لوين؟" (2011)، لتسليط الضوء على دور النساء في نبذ المذهبية والطائفية. وحضر الجمهور الفيلم الأمريكي Rose Water (2014) والذي يسلط الضوء على الدكتاتورية وقضية الإخفاء القسري. كما عُرض الفيلم اليمني "الرهان الخاسر"(2008) الذي تدور قصته حول الإرهاب وأسباب توجه الشباب إلى الحركات المتطرفة في اليمن.


علماً أن انعدام وجود دور عرض سينمائية في اليمن، وأعمال العنف والوضع الإنساني المأسوي، والتضييق على الحريات في زمن الحرب، كلها مشاكل لم تمنع سماح وفريق عمل مؤسسة "صوت" من إطلاق المبادرة.


"سينما صوت هي طريقتنا للمقاومة جميعاً. لم يثنِنا ولا حتى الجمهور من عدم إقامة العروض بالرغم من أننا أحياناً كنا نعرض الأفلام والمبنى يهتز بسبب قصف المبنى المجاور"، تقول سماح التي ترفض الحديث عن المبادرة كأنها ملك شخصي لها. وتضيف: "مبادرة سينما صوت هي نتاج جهود جماعية من فريق العمل والجمهور الذي كان يحضر، جميعاً كنا مصرين على إنجاح المبادرة بالرغم من الظروف الصعبة جداً التي نعيشها".


وظيفة "سينما صوت" بالدرجة الأولى، أن تكون مساحة للتنفيس عن هموم من يعيش تحت الحرب. لكن مناخ الاستقطاب الحاد، بسبب الصراع الدائر حالياً يشكل أحد اكبر العوائق التي تواجه فريق العمل.


يقول صامد السامعي، المسؤول الإعلامي للمشروع: "حتى نتفادى عواقب الحزبية، قمنا بقرار واعٍ منذ البداية، وهو أن يكون تمويل المبادرة من قبل منظمات دولية غير ربحية، مثل الملحقية الثقافية الهولندية في اليمن، ولم نرد أن تكون المبادرة ممولة من أي طرف من أطراف النزاع في اليمن".


وتوضح سماح: "كان مهماً بالنسبة للفعاليات أن تجذب كل المكونات السياسية من دون أي تمييز ليحقق المشروع أهدافه".

كان التضييق الكبير على حرية التعبير تحدياً إضافياً واجهته المبادرة، فقد صنف آخر تقرير صادر من منظمة مراسلون بلا حدود، جماعة الحوثيين في اليمن، ثاني أكبر قامع لحرية التعبير في العالم اليوم، بعد تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي حين لم تتعرض "سينما صوت" لتهديد مباشر، فقد تعرضت لمضايقات عدّة. يقول صامد: "وجدنا مضايقات وسخرية بسبب موقفنا الحيادي في طرحنا على ضوء الصراع القائم. يتهمنا الكثير بأن الحياد في هذا الوقت هو مشاركة في الجريمة. نحاول أن نرد بطريقة مهذبة وألا نستفز أحداً، والأجمل أننا نحظى أيضاً بدعم الكثيرين على السوشيال ميديا، وتلك الشهرة هي بمثابة حماية لنا إلى حدٍ ما".

لكن الشهرة التي تتمتع بها المبادرة لم تتمكن من حماية المصور أسعد العماد، أحد أعضاء فريق العمل، الذي اعتقل لفترة من قبل الحوثيين، بسبب عمله الصحفي التصويري خارج المبادرة.





ثقافة لا تجد تمويلاً

رغم النجاح الذي حققته "سينما صوت" في مرحلتيها السابقتين، إلا أنها الآن تمر بمرحلة تعثر، بسبب غياب التمويل المادي الكافي لمواصلة المرحلة الثالثة من المشروع، التي تطمح لمواصلة أهداف المبادرة في استخدام السينما كأداة لترسيخ مبادئ السلام والتعايش.

حين أجرينا اللقاء الأول مع سماح نهاية العام الماضي، كانت تأمل في أن تجد سينما صوت رداً إيجابيّاً من أكثر من جهة تمويل، لكنها فوجئت بأن المبادرة لم تلاق اهتمام الممولين هذه المرة، الذين رأوا أن اليمن أصبحت أكثر خطراً، ومن غير المنطقي إنجاز مشروع كهذا فيها.

يشعر فريق العمل بالحزن والإحباط، ويرى في هذه الخطوة تخاذلاً من المجتمع الدولي تجاه اليمن.

تؤكد سماح: "كان تفسير الممولين أن الجانب الثقافي ليس أولوية في الوقت الحالي، أخبرونا أن طلبات المشاريع الثقافية لن تؤخذ بعين الاعتبار، ولن تخصص لها ميزانية، إنما فقط قضايا حقوق الإنسان والحكم الرشيد والبيئة هي التي لها الأولوية".

يستغرب فريق عمل "سينما صوت" الاستهانة بدعم الجانب الثقافي في زمن الحرب، فهذه المبادرة أداة لترسيخ قيم السلام بالنسبة إليهم. وتتفق الباحثة اليمنية وإحدى زائرات "سينما صوت" وميض شاكر مع فريق العمل: "إذا كانت السينما ليست أولوية في وقت الحرب، فما الأولوية إذن؟ أخبار المعارك والجبهات؟ صور القتلى والجرحى؟ أصوات القذائف والطائرات؟ لا تتركوا كل شي لهم، أقيموا سينما ومسرح وساحة للغناء والشعر فلعل المكان يضيق بالحرب وترحل".

لم تقف الحرب في وجه فريق عمل "سينما صوت"، ولا الوضع الإنساني الكارثي، ولا الاستقطاب الحاد، بل كانت هذه العناصر كلها حافزاً لإكمال مشروعهم. ففي وقت تخلى الممولون عن دعم المبادرة، بدأ فريق العمل البحث عن كيفية المضي قدماً في إقامة المرحلة الثالثة من المشروع، بالتعاون مع عدد من المنظمات المحلية. كما يبحث تبني إستراتيجية مختلفة في العروض.

ووفقاً لصامد السامعي، يود الفريق إتاحة فرصة أكبر لإشراك متطوعين، وسيعمل الفريق على إشراك الجمهور في اختيار الأفلام. يأمل الفريق أن ترى العروض الضوء قريباً مجدداً، على أمل أن تكون استمراريته دليلاً على إصرار "سينما صوت" على إثبات معنى المقاومة والمسؤولية الاجتماعية في زمن الحرب، بدعم عدد من المنظمات المحلية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*بقلم أفراح ناصر
تم نشر هذا المقال في موقع رصيف٢٢ بتاريخ ٨ فبراير ٢٠١٧

5.12.16

سياسة الصور واليمن: سلاح وقات وكره النساء


*الصورة المرئية جزء لا يتجزء من نظرتنا للعالم، والصورة الموجودة عن اليمن هي أساس ما يعرفه العالم عن بلادي. والفكرة تنطبق على كيف يرى اليمنيون بعضهم بعضاً، لذا أحب أن أقسم النقاش إلى محورين. الأول: كيف يستخدم الإعلام الغربي الصورة في الحديث عن اليمن. والثاني كيف يستخدم اليمنيون الصور للحديث بعضهم عن بعض. بين الصورة السياسية الضالة، والصورة التمييزية على أساس الجنس، تتشتت النظرة الخارجية لليمن.

صورة اليمن في الإعلام الغربي

من الصعب تحديد متى بدأت علاقة الإعلام الغربي بالفن المعماري لصنعاء القديمة. تلك العلاقة كانت أيضاً معدية في علاقة الإعلام العربي باليمن. لا شك أن الفن المعماري الطاغي على صنعاء القديمة صعب تجاهله، لكن اسمها صنعاء "القديمة"، ما يعني أن هناك صنعاء جديدة. اختزال اليمن بكل مدنها وتنوعها بهائل من الصور من صنعاء القديمة، ليس فقط إنقاصاً لحق بقية المدن اليمنية في جمالها الخاص، بل هو أيضاً إرسال رسالة خاطئة بأن اليمن هو مجرد صنعاء القديمة.

وحين يتعمق الإعلام الغربي في نفوس وحيوات اليمنيين، يختزل قضايا الإنسان اليمني، بالسلاح، الثقافة القبلية، القات، وغيرها من المواضيع السهلة والمكررة.


لطالما كانت الصورة النمطية للعرب في الإعلام الغربي مجحفة، فنحن الهمج، الإرهابيون وغير الحضاريين. والصورة النمطية لليمنيين في الإعلام الغربي، تندرج في ذلك، وممكن تلخيصها في فيلم "اصطياد السمك في "ال" اليمن". وهو أفضل نموذج لأسوأ تصوير لليمن، مقتبس من رواية لكاتب لم يسبق له أن زار اليمن. كما لم يزرها أي شخص من فريق الفيلم، حتى الممثلون والممثلات. ولم يجرِ تصوير الفيلم في اليمن. كيف لنا أن نصور بلداً في فيلم من دون أن نلامسها بشكل حقيقي.

 


الصورة كرسالة بين اليمنيين

وفي حديثنا عن الأفلام والسينما، فيلم "نجوم" للمخرجة اليمنية خديجة السلامي، من أهم الأفلام التي استخدمت الصور بشكل صادق كرسالة بين اليمنيين. قصة الفيلم مقتبسة من كتاب "أنا نجوم، عمري 10 سنوات ومطلقة"، وهي القصة الحقيقة لنجود الطفلة اليمنية، التي تُعتبر أول طفلة مطلقة في اليمن. تم تصوير الفيلم في اليمن، وبعد عرضه فاز بعدة جوائز عالمية. الفيلم حقيقي وغير متكلف، رسالته التوعية حول مشكلة زواج الصغيرات في اليمن. لكن للأسف لم يُعرض في اليمن بعد، نظراً لغياب دور سينما، والأهم لتواتر النزاع المسلح، وبدء الحرب منذ إصدار الفيلم عام 2014. لذا فإن الوضع السياسي يُسيطر على أي نقاش ثقافي أو فكري.




نرى الإعلام اليمني مهووساً بالنقاش السياسي المحصور بمواضيع الزعماء. فأحوال الرئيس السابق علي عبد الله صالح، والرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، وقائد جماعة الحوثي عبد الملك الحوثي هي المواضيع التي تهيمن على الإعلام اليمني. صورة هذا أو ذاك الزعيم هي المرآة التي يرى من خلالها اليمنيون بعضهم بعضاً. الاستقطاب حاد، وأي مساحة رمادية في الوسط محكوم عليها بالتبخر.

وفي هذا السياق، أهم ما أثار اهتمامي، قضية "كره النساء"، أو ما يعرف بالإنجليزية "Misogyny". وكيف تم استخدام الصور في النقاش السياسي. على مر السنوات، منذ إندلاع ثورة 2011، وتجربتي مع التدوين، وجدت تكراراً في نمط معين، استخدام صور يرجى منها إهانة الزعيم السياسي. حين يريد معسكر سياسي إهانة زعيمٍ سياسي، فأسهل أمر تصويره على أنه امرأة. مثلاً عندما يُراد إهانة الرئيس السابق على عبدالله صالح، يتم تصويره بالمكياج والحليَ ليبدو كسيدة. وبذلك، يكون هناك ربط بين الوضع المهين للرجل وجنس الأنثى، وأن التعبير عن الاحتقار يمكن تجسيده في وصف الآخر بأنه أنثى.



الصور التالية جمعتُها على مر السنوات الخمس الماضية. مع تطور المراحل السياسية في اليمن، لم يتوانٓ مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في اليمن عن تصميم ونشر هذه الصورة، التي وجدت أحياناً طريقها كلافتة تُستخدم أثناء التظاهرات.




وبالحديث عن التظاهرات، انبهر العالم بمشاركة النساء في ثورة اليمن 2011، ولم يكونوا مدركين أن غالبيتهن تتبع أكبر ثاني حزب سياسي معارض في البلاد "حزب الإصلاح"، وأن خروجهن كان مجرد أمر صوري "ديكوري". أما النساء اللواتي خرجن بشكل مستقل، يتحدينّ نظام صالح، والنظام الأبوي، الذي يفرض على النساء الفصل الجندري في المساحات العامة، لم يجدن اهتمام العالم، بل اصطدمن بجدران النظام الأبوي. تمرد أولئك النساء على هذا النظام، كان مثيراً لحفيظة الرجل اليمني. ففي بداية الثورة، خرجت مجموعة في تظاهرة مختلطة بين الرجال والنساء في صنعاء، وما كان بانتظار المشاركات غير الضرب والإهانة.

النظرة الدنيوية للإناث في اليمن موجودة، وهي جزء من جو عام في العالم العربي، يرى الأنثى عورة. في بداية الربيع، قامت مجموعة من النسويات العربيات بإنشاء صفحة على Facebook، تدعو لانتفاضة النساء في العالم العربي. تهافت على الصفحة المئات من المنشورات تعكس كيف أن الأنثى مواطن من الدرجة الثانية، إن لم تكن أسوأ. لفت انتباهي هذا المنشور من اليمن، الذي يفند كل ما يقول إنه ليس هناك نظرة دنيوية للأنثى في اليمن.



الاحتقار وارتباطه بتصوير الزعيم كأنثى لا يفهمه الرجل اليمني إلا إذا عكسنا الآية. كان لي نقاش مع صديق يمني يحب استخدام صور نساء مثيرة في صفحته على Facebook، لإغاظة المعسكر السياسي الخصم. قال لي: أنا لا أقصد إهانة النساء، لكنني أريد أن أغيظ خصومي. قلت له: هل رأيت فتاة تستخدم صور رجال مثيرة حتى تهين بها خصومها؟ فهم صديقي مقصدي وتراجع بعدها عن ذلك.

مسألة "كره النساء" والإعلام عالمية وليست محصورة في اليمن، ولكن قلما يتم تناولها في الإعلام العربي واليمني. ويزعجني أنه في الوقت الذي نستنكر فيه كيفية تصوير العربي في الإعلام الغربي، لا نستنكر كيفية تصويرنا لنسائنا في إعلامنا، ويهمني هنا بالدرجة الأولى الإعلام اليمني.

منذ ثورة اليمن وصراع بعد الآخر يعصف بالبلاد، ليجعل قضايا الحياة أو الموت من أولويات الحديث عن هذا البلد المنكوب. وسط كل الدماء التي تسفك، لا نجد مساحة نتنفس فيها من خلال نقاشات فكرية منعشة. فمثلاً، هذه المادة كتبتها وانا على دراية بأمرين: إن فكرة المقال منعشة بالنسبة إلي من الناحية النظرية في دراسات الإعلام والتطبيقية في فهم قضايا جندرية. والأمر الآخر هو أنني على دراية أن هناك معسكر "مش وقتها" يترصد لي. رغبتي في طرح موضوع فكري عن الصورة النمطية لليمن في الإعلام، تغلب على قلقي من معسكر "مش وقتها"، وبذلك شرعت في الكتابة.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*بقلم أفراح ناصر
تم نشر هذا المقال في موقع رصيف٢٢ بتاريخ ٥ يوليو ٢٠١٦

20.10.16

مأزق "المُولّد" في زمن الحرب

Photo courtesy: laweekly.com
بدايةً، من هو المُولّد؟ المُولّد مصطلح متعارف عليه في المجتمع اليمني، على أنه اليمني الذي يحمل أحد والديه جنسية أجنبية غير يمنية. أو في أسوأ حالات الحساسية المفرطة التي يظهرها المجتمع اليمني تجاه كل ما هو غريب، المُولّد هو من له أي صلة عرقية في شجرة العائلة بجنسية أخرى غير اليمنية، حتى لو كان جده الثالث في سُلالة العائلة، من جنسية غير يمنية. يُطلق عليه: مُولّد إثيوبي أو مصري.

أُفكر في حال المولدين اليمنيين في زمن الحرب، لأنني واحدة من المولدات الإثيوبيات، وأتفهم تماماً تعقيدات الهوية المزدوجة. وعليه أُركز هنا على المولدين اليمنيين-إثيوبيين. مر نحو عامين على الحرب في اليمن، والغالبية العظمى تحت حصار خانق، بينما السماء تُمطر صواريخ، والقتال المسلح على الأرض لا يهدأ.

يشهد اليمن حصاراً برياً وبحرياً وجوياً، الأمر الذي أدى إلى أن يكون مسرحاً لأكبر نسب النزوح الداخلي في العالم. اليوم، يوجد أكثر من 3 ملايين نازح في اليمن. ببساطة، لا مفر لليمنيين، وحتى إن سنحت لهم فرصة الهرب، تكون عملية الفرار صعبة، ومعقدة أكثر للمولدين اليمنيين، أولئك الذين يعيشون بهوية (ورقية وثقافية) مزدوجة.



الحياة قبل الحرب

ولفهم هذا التعقيد، لا بد من رسم صورة سريعة عن حياة المُولّد اليمني قبل الحرب. لا يوجد إحصاء دقيق لعدد المولدين في اليمن، نظراً لغياب مؤسسات حكومية مهتمة بهذه الفئة، ونظراً لأن المولدين أنفسهم في الغالب، لا يودون الكشف عن أصلهم العرقي الآخر، إلى جانب الهوية اليمنية. ربما يعود عدم رغبة المولدين بالمجاهرة بالأصل الآخر، إلى تعقيدات في قوانين الأحوال المدنية للبلدين، بخصوص حمل أكثر من وثيقة سفر.

من تجربة شخصية، ومن معاملاتي مع المولدين اليمنيين الإثيوبين بشكل خاص، وجدت أن عدداً كبيراً منهم عملوا على مداراة حقيقة هويتهم المزدوجة، بسبب المناخ العنصري الذي يرى أن اليمني الحامل جنسيتين، مواطن من الدرجة الثانية وموضع سخرية.

المجتمع اليمني، مجتمع متجانس، يُفضل ديموغرافية متجانسة، ولديه شكوك تجاه فكرة التعددية العرقية والثقافية. بالتالي، يجد المُولّد نفسه أمام خيارين صعبين، إما أن يُصرّح جهراً بهويته الأخرى ويتحمل العواقب من عنصرية وتمييز، أو أن يُخفي تلك الهوية، ويبذل قصارى جهده لإثبات أنه يمني 100%، بما في ذلك أن يعمل على حمل وثيقة سفر واحدة فقط، هي اليمنية.


Photo courtesy: Raseef22.com

مأزق الحرب

هذه المجموعة الثانية من المولدين، ممن حرصوا على حمل الجنسية اليمنية فقط، ومداراة أي خلفية أخرى، وقعوا في مأزق قانوني في زمن الحرب. فمع نشوب الحرب، نشب الندم في نفوس المولدين اليمنيين، الذين لم يكترثوا في السابق لإثبات ازدواجية هويتهم بأي وثيقة. إذ أعلن عدد من السفارات ترحيل مواطنيهم المقيمين في اليمن، فتدافع الأثيوبيون إلى سفارتهم. وبالرغم من عدم امتلاكهم الجنسية الأثيوبية، ذهب المولدون إلى السفارة الأثيوبية على أمل أن تعترف بأن لهم أصلاً إثيوبياً، فتسمح بترحيلهم. لكن الحقيقة أنهم لم يجدوا العون المفترض، لافتقارهم لأوراق ثبوتية تؤكد أصلهم الأثيوبي.


لذا كان مستحيلاً لعدد كبير من المولدين الإثيوبيين أن ينزحوا من اليمن إلى أديس أبابا، بالرغم من أنهم إثيوبيون أيضاً. وهنا يأسف المُولّد على عهد النكران الذي عاشه طوال الأعوام الماضية. بعض الُمولّدين الذين كانوا يُدارون هويتهم الإثيوبية، يتحسرون على أنهم لم يثبتوا هويتهم ببطاقة هوية أو جواز من قبل. علماً أن قانون الأحوال المدنية اليمني يسمح للمواطنين اليمنيين بحمل أكثر من جنسية في الوقت نفسه. أما قانون الأحوال الشخصية الأثيوبي فلا يسمح بذلك. وهنا، تكمن المعضلة الحقيقية.

زينب*، يمنية تحمل جواز سفر يمنياً وأثيوبياً، حكت كيف استطاعت النزوح إلى أثيوبيا في بداية الحرب. على غير العادة، كانت زينب تُجاهر بأصلها الأثيوبي متحديةً كل التابوهات والعنصرية، فأثيوبيا موطن والدتها ولهجتها اليمنية تُشير بكل وضوح إلى أنها مُولّدة يمنية-أثيوبية. كجزء من عملية تصالح زينب مع تعددية هويتها، عملت على الحصول على بطاقة هوية إثيوبية قبل الحرب بفترة طويلة، ثم الجواز الإثيوبي، فأخفت على السلطات الإثيوبية حملها لوثيقة سفر أخرى. ومع اندلاع الحرب عام 2015، نزحت إلى أديس أبابا كالعشرات من اليمنيين المولدين أصحاب الجواز الأثيوبي، ومن تلاعبوا بالقوانين. كلاجئة مُولّدة، وصلت إلى بلدها الآخر، وهي في حيرة من أمرها، هل تُعرف نفسها بأنها لاجئة أو واحدة من أهل البلد!

أما بالنسبة إلى حسن*، المُولّد اليمني-الإثيوبي، فلم يستطع النزوح مع والديه المولدين الحاملي الجنسيتين اليمنية والأثيوبية كما فعلت زينب. لم يرد أن يحمل الجوازين، فكان يحمل الجواز اليمني فقط، لذا لم تسمح له السفارة بالسفر مع والديه. يخبر حسن أنه كان صعباً عليه تقبّل خلفيته الإثيوبية، إذ لم يستطع مواجهة التمييز أثناء طفولته في اليمن. أراد أن يكون يمنياً 100%، وأن يُعتبر مواطناً من الدرجة الأولى، لهذا لم يتحمس وقت السلم لاستخراج أوراق سفر إثيوبية، وهو يتحسر على ذلك اليوم.

وجدت زينب وأهل حسن والعديد من المولديين اليمنيين-الأثيوبيين الوصول إلى الركن الآخر من البحر الأحمر في أثيوبيا، تجربة، في طياتها مشاعر وواقع متناقض في الوقت عينه. فهم بحكم أوراق السفر الأثيوبية في أرضهم الأم، وبحكم الحقيقة مجرد لاجئين. من المفترض أن يشعروا بالأمن في أحضان وطنهم، لكنهم يشعرون بالضياع. والحق أن مجمل المولدين اليمنيين-الأثيوبيين يعتمدون بشكل رئيسي في التأقلم على البيئة الجديدة، على علاقاتهم الاجتماعية، وعلى أقربائهم وأصدقائهم، الذين يقطنون أثيوبيا، فلا يسعون إلى أي دعم من أي مؤسسة حكومية أو من المنظمات الدولية. ونظراً للتقارب الجغرافي والثقافي بين اليمن والقرن الأفريقي، هناك تاريخ طويل بين البلدين، من علاقات هجرة ولجوء وسفر.

وبالرغم من اختلاف اللغات، فإن المولدين اليمنيين-الأثيوبيين يعتبرون أثيوبيا شبيهة باليمن ثقافياً، الأمر الذي يُخفف شعور الغربة لدى اللاجئ المُولّد، ويساعده في استيعاب هويته الجديدة. أو على الأقل هذا ما يمكن تصوره.

في بداية الحرب، فر نحو 200 ألف من اليمن، بينهم 80 ألف مواطن أثيوبي. من الصعب تحديد عدد المولدين اليمنيين-الإثيوبين بينهم، بسبب التعقيدات القانونية، ولكن يرُجح أنهم كانوا نسبة عالية. ثم مع مرور الشهور اللاحقة للجوئهم في أثيوبيا، لم يستطع الكثيرون منهم التأقلم مع الهوية الجديدة، فما كان من الكثيرين منهم إلا العودة إلى اليمن. اليوم هناك نحو مليون عائد إلى اليمن من النزوح.

كانت زينب من العائدين، فهي لم تستسغ تجربة الإقامة في إثيوبيا. إثيوبيا لم تعد جميلة كما كانت من قبل في نظرها، والحنين إلى اليمن كان أكبر من أي شيء. بعد أربعة أشهر من محاولة التكيف، قررت زينب أن تحمل حقائبها وتعود إلى اليمن. تقول: "ما حد يموت ناقص عمر. أرحم لي أن أموت في بيتي في صنعاء على أن أعيش ما تبقى من حياتي وأنا أحاول التأقلم مع تجربة اللجوء، حتى لو كنت في بلد أمي". عاد والد حسن أيضاً بعد عدة شهور إلى عدن. يخبرني حسن أن تجربة اللجوء لوالده أيضاً كانت صعبة، وأن الحنين لليمن كان أقوى من أي شعور عاشه في إقامته القصيرة في أديس أبابا. تواصلت مع والد حسن حتى أعرف منه السبب الحقيقي الكامن وراء قرار العودة، قال لي بثقة: "عز القبيلي بلاده".

*تم تغيير اسمَيْ زينب وحسن للحفاظ على سلامتهما القانونية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*بقلم أفراح ناصر
تم نشر هذا المقال في موقع رصيف٢٢ بتاريخ 13 أوكتوبر ٢٠١٦