24.3.17

كيف يخدم مهرجان أفلام حقوق الإنسان قضيتنا من جنيف؟

من الفيلم الوثائقي العراقي: Nowhere to hide. 

*انطلق مهرجان الفيلم والمنتدى الدولي لحقوق الإنسان في جنيف (fifdh.org) في نسخته الخامسة عشرة (10-19 مارس).

المهرجان، الذي يتزامن مع انعقاد دورة مجلس حقوق الإنسان في مكتب الأمم المتحدة في المدينة، يسلط الضوء على واقع انتهاكات حقوق الإنسان في العالم، خارج سرب الخطب الدبلوماسية والأممية.



هذه الدعوة بحد ذاتها خطوة لمصلحة حقوق الإنسان العربي، لأن التمثيل العربي المستقل في المحافل الدولية الحالية ليس كافياً، ناهيك بغياب التمثيل اليمني.

قد حضرتُ عدداً من الأفلام الوثائقية العربية وغير العربية والنقاشات، لأنقل لكم ما صوّرت العدسات من واقعنا.

ولأن في جعبتي قصص المجاعة والحرب في اليمن، وكل النزاعات والحروب والكوارث الإنسانية، في عدد كبير من بلدان منطقتنا، سطرت خطين تحت أسماء الأفلام الوثائقية عن الدول العربية، في بروشور المهرجان. سنحت الفرصة لي حتى الآن مشاهدة الأفلام التالية، مع الجمهور أو مع لجنة التحكيم خلال عروض حصرية. وهي أفلام شفافة، صادقة، تعبّر عن هموم الملايين في الوطن العربي والعالم.

Tickling Giants

فيلم للإعلامي المصري الساخر باسف يوسف، مقدم برنامج البرنامج، الذي حصد مشاهدات هائلة. الفيلم يوثق تجربة يوسف المثيرة للجدل، على مدى أربع سنوات، والتحديات التي واجهته في سبيل الاستمرار في عرض البرنامج. وكيف اضطر إلى إيقاف عرضه. المجهود الذي بذل في متابعة باسم يوسف على مر كل تلك الأعوام، يعتبر عملاً دؤوباً، وقصة باسم يوسف، هي انعكاس لانكماش مساحة حرية الرأي في مصر.

لكن عتبي على منظمي المهرجان، هو أنهم دعوا صوتاً مصرياً يعطي تعليقه أو شرحه للوضع في مصر بعد عرض الفيلم. فذلك مثلاً، كان ممكناً أن يثير نقطة، كيف أن رغم معرفة الغرب بسياسة تكميم الأفواه في مصر، ما زال عدد من الحكومات الغربية متحالفاً مع النظام القمعي في مصر. أحببت أن باسم يوسف صُوّر في الفيلم كرمز لحرية التعبير في مصر، لكن مع انتهاء النقاش عند هذه النقطة، يحشر في زاوية الضحية. فمن يخبر الغرب أننا أكثر من مجرد ضحايا أنظمتنا القمعية؟
 


The War Show

فيلم آخر ينقل صورة مأسوية لجزء من واقع ضحايا الحرب في سوريا، للمخرج الدنماركي Andreas Dalsgaard والمخرجة السورية والصحافية Obaidah Zytoon. الفيلم يوثق قصص عدد من الأصدقاء السوريين والسوريات، الذين عملوا على تصوير أنفسهم، بدءاً من بداية الثورة حتى العام الماضي. يأخذكم الفيلم في فصول القضية السورية بشكل سلس، ليشرح تفاصيل معقدة بسرد بسيط وإنساني. الفيلم بعيد كل البعد عن الأفلام الوثائقية المعدة لوسائل الإعلام التقليدية، وطريقة السرد من النوع السهل الممتنع.

من العبارات التي لا تزال ترن في رأسي بعد مشاهدة الفيلم هو "عرض الجريمة مستمر، تحت كاميرات العالم". ستشعرون بمرارة الجريمة في نهاية الوثائقي ومعرفة أن عدداً كبيراً من أبطال الوثائقي قضوا نحبهم.




Nowhere to Hide

فيلم آخر من العراق للمخرج Zaradasht Ahmed، الذي يحكي عن جحيم الحياة في إحدى المدن الصغيرة "جلولاء"، أثناء اجتياح قوات الدولة الإسلامية (داعش) وبعده في السنوات الأخيرة. الفيلم يوثق قصة نوري شريف، الذي يعمل ممرضاً في مدينته جلولاء، حيثُ يعيش حياة بسيطة مع زوجته وأطفاله. بعد أن أقنعه زارادشت، حمل نوري الكاميرا، ليوثق تفاصيل الحياة اليومية وسط عملية اجتياح قوات الدولة الإسلامية للمدينة. "لا أحد يفهم هذه الحرب العبثية"، يكرر نوري الجملة هذه في مجريات الوثائقي، ويعبر عما يدور في أذهان الكثير من ضحايا الحروب في منطقتنا العربية. دفعتني هذه الجملة للبكاء مراراً أثناء مشاهدتي الفيلم لأنها تعبر تماماً عما أريد أن أقوله عن الحرب في اليمن.


Syria's disappeared: a case against Assad

تميز المهرجان بإقامة العرض العالمي الأول لهذا الوثائقي من سوريا عن المخفيين قسرياً والتعذيب في السجون، إذ يوثق شهادات الضحايا ورغبتهم في تحقيق العدالة لكل المخفيين والمعتقلين. عدا الصور المأسوية المعروضة في الوثائقي، هنالك شهادات تدمي القلوب من الناجين من سجون الاعتقال والتعذيب الوحشي. فإذا لم تنصف العدالة أصحابها، فإن هذا الفيلم سيغير نظرة الكثيرين للقضية السورية، في سبيل نصرة الإنسانية ومناهضة التعذيب والإخفاء القسري.

من الفيلم الوثائقي السوري: Syria's disappeared: a case against Assad

I am not your Negro

فيلمٌ سرق قلبي، إذ يناقش العنصرية في أمريكا من خلال سرد جزء من مذكرات الكاتب الأمريكي الأفريقي جيمس بالدوين. يتحدث الفيلم عن كيف يحدد لون بشرتك تجربتك في العالم. أتحدث هنا عن السياق الوجودي، وليس عن تجارب الحياة العادية، فمستحيل أن لا نعترف بأننا نعيش في عالم يسوده منطق "سيادة البيض"، أو ما يعرف بالإنجليزية بـ"white supermacy"، التي كانت ولا تزال مشكلة أي حضارة وصلت لها البشرية أينما كان.

أدعو كل عربي لمشاهدة الفيلم، وأراهن على أن لدى كل عربي ألف سبب لأن يصرخ أيضاً: I am not your negro!




هل المشترك اليمني في آراب أيدول هو #فرحة_وطن حقاً؟




*يطلّ المتسابق اليمني عمار العزكي كل أسبوع في حلقات برنامج Arab Idol الغنائي على شاشة قناة MBC، من دون أن ينسى إظهار اللمسة اليمنية التي تميّزه عن سائر المتسابقين والمتسابقات. 

منذ بداية مشاركته في البرنامج، الذي انطلق موسمه الرابع في نوفمبر الماضي، يتفنن عمار في عرض أثره اليمني الذي يتجسد إما في تركيزه على أغانٍ يمنية أو من خلال اللباس اليمني، أو الاثنين معاً. كأنه يبعث برسالة أنه هنا ليس لمجرد الغناء فقط، إنما أيضاً ليمثل بلاده. 

بل أكثر من ذلك، مع كل حلقة تتنامى ثقة عمار بنفسه، فقاعدة محبيه في تزايد مع كل أسبوع يمر من عمر البرنامج، وهو تأهل إلى المرحلة النهائية، لينافس زميليه يعقوب شاهين وأمير دندن من فلسطين على اللقب للموسم الرابع.


علماً أن النتيجة النهائية تتحدد خلال أيام، احتمال فوز عمار عالٍ. الشاب البالغ من العمر 27 عاماً، أحد أبناء محافظة المحويت، الواقعة شمال اليمن، أصبح نجماً في اليمن، حتى لو لم ينل اللقب، فصوره واللافتات الداعية للتّصويت له في السباق الغنائي، تملأ شوارع العاصمة صنعاء. 

يبدو هذا النجم اليمني كأنه خرج من وسط الظلام والمعاناة، ليصبح أحد أسباب بهجة اليمنيين، الذين لخّصوها بنشر هاشتاغ #فرحة_وطن.

هل تعيش اليمن حقاً #فرحة_وطن في رؤية ممثل لها في Arab Idol؟

ما تعيشه اليمن منذ بداية الحرب الأهلية نهاية 2014، ثم بداية حرب التحالف السعودي على جماعة الحوثيين في 2015، بعيد كل البعد عن أي فرحة. ستدخل الحرب عامها الثالث، وآلاف اليمنيين لقوا مصرعهم أو اُصيبوا، وبات الملايين بلا غذاء، ولا دواء، ولا منزل، ولا تعليم، يعانون من النزوح، والحصار، من دون أن تبرز أي مساعدة إنسانية لهذا الشعب في خضم الصراع الدائر في البلاد. فهل هناك فعلاً متسع للفرح؟ وماذا لو فاز عمار باللقب؟ وما الذي يعنيه ذلك لليمن المنكوبة؟

رغم أن عمار كان يقيم في الإمارات قبل مشاركته في البرنامج، إلا أنه لم ينجُ تماماً من لهيب الحرب في اليمن. يغني وهو يفكر بزوجته وأطفاله في اليمن، المهددين بالقصف في أي وقت. ومن ذلك، تجنب التجييش لأيّ من أطراف الحرب، وكان وما زال حيادياً في تعليقاته عن كل ما يخص الأوضاع في اليمن. وكان يشيد باهتمام اليمنيين به في الداخل والتصويت له، برغم الوضع الاقتصادي المزري.


لكن الأمر لم يرق كل متابعيه، إذ يثير وجود عمار في برنامج آراب أيدول وجهاً آخر للاستقطاب الحاد، الذي هو سيد الحالة اليمنية. فنجد قلة اهتمام من اليمنيين الجنوبيين، كأن عمار لا يمثل إلا شمال اليمن، لتتضح آثار الانقسام المناطقي جراء الحرب، وانعكاسها حتى على المساحات الفنية.


كان الإعلام المحلي ووسائل التواصل الاجتماعي مرآة ذلك الانقسام، فهناك من يصوت لعمار بدافع الاحتجاج على الحرب، حتى لو لم يكن من المعجبين بصوته، وهناك من يرى أن في اليمن أولويات أهم من الفن والتصويت لمشترك في برنامج غنائي.

لولا الإنقلاب لما أثير موضوع الشرعية أصلاً



*إن مرحلة التيه التي نعيشها حالياً، بالإضافة الى كونها متشعبة جداً فهي عميقة جداً. عميقة لدرجة تجعل الشخص يكتب الكلام الذي يدينه ويظن أنه يدعمه. لدرجة أن نفس الكلام ونفس النص يسخر لصالح قضية وهو في الواقع ضدها. أو بشكل اكثر حياداً تجعل ما تفهمه فئة كخادم لقضيتها تفهمه فئة أخرى كهادم لها من الأساس.

تناول عدد من النشطاء الحوثيين مؤخراً منشوراً للمؤتمري عادل الشجاع يضع فيه مقارنة بين الوضع في كوريا الجنوبية والوضع في بلادنا. ويقول أنه برغم أن رئيسة كوريا الجنوبية كانت شرعية إلا أنه تم عزلها عند ثبوت خيانتها للأمانة التي منحها الشعب إياها بينما في اليمن يتم التحجج بشرعية الرئيس هادي لشن الحرب. يرددونه ذلك المنشور لدرجة التغني لكونه كما يزعم ويزعمون يخدم قضيتهم.

كم أتمنى لو تمكنت من الفكاك من الإخلاقيات التي وضعتها على كتاباتي حتى أخذ راحتي في نسف الشجاع وكلامه. لكن لن أفعل وسأركز فقط على الموضوع.

ترى هل هناك فعلاً وجه للشبه بين حالة كوريا الجنوبية واليمن. الجواب نعم في حالة واحدة أما الباقي فلا وألف لا. في كوريا الجنوبية هناك رئيسة منتخبة ديمقراطياً كما الرئيس هادي أيها المؤتمريون الإنقلابيون إن كنتم لا تزالون تذكرونّ وذلك وجه الشبه الوحيد. أما الباقي فمختلف تماماً.

لو أن مجموعة مسلحة من الشعب الكوري الجنوبي مدعومة من دولة ما لم تخض الإنتخابات وأنتهجت العنف واستخدمت السلاح لا جتياح المدن واحدة بعد أخرى حتى اسقطت العاصمة سيول وحاصرت الرئيسة المنتخبة واعتقلت الحكومة المتوافق عليها من الجميع بما فيها هم. ونهبت سلاح الدولة والجيش وذهبت له الى صعدتهم ووصفت الشعب بأنه دواعش وبدأت تخوض الحروب في كل الجهات للسيطرة على الحكم بالقوة المسلحة. أكان يمكن أن يسمح لذلك في كوريا الجنوبية أن يمضي؟ ليراجع الشجاع نفسه وليسأل مؤيدوه أين حصل هذا هل في كوريا أم اليمن؟

في كوريا خانت الرئيسة ثقة شعبها وذلك لا جدال فيه، فاتجه الناس لإسقاطها عبر المؤسسات الدستورية لا عبرالمليشيات وبسلاح القانون لا بسلاح المدفعية والدبابات المنهوبة. في كوريا المعركة مع الرئيسة لا مع الشعب أما في اليمن المعركة بين شعب وأنقلاب.

16.2.17

مقاومة الشباب في صنعاء: سينما تحت القصف



يصف قول الكاتبة الأمريكية بيل هوكس، "إن الثورة تبدأ داخل النفس ومع النفس"، ما بدأته الإعلامية والناشطة اليمنية سماح الشغدري. ثورة الشغدري، بدأت داخل ساحات الاعتصامات في صنعاء عام 2011، ولا تزال مستمرة في مبادئها ضد العنف والطائفية، إنما بأسلوب مختلف. كامتداد للثورة، أطلقت الشغدري مبادرة "سينما صوت" في نوفمبر 2015، كحراك ثقافي ينتقد الحرب وأضرارها، بعد عدة أشهر من اندلاعها.


وفقاً لتقرير الأمم المتحدة، قتل الصراع في اليمن عشرة آلاف شخص على الأقل. فمن يصدق أن يتم افتتاح سينما وسط الموت والدمار!

صوت الشباب

تأخذ "سينما صوت" شكل do it yourself وتقام أسبوعياً في أحد مقاهي العاصمة اليمنية صنعاء. الدخول إليها مجاني، وتُعرض من خلالها أفلام سينمائية ووثائقية، تتطرق إلى مواضيع تمس واقع الإنسان تحت الحرب، مثل المذهبية والطائفية وتجنيد الأطفال، وضرورة تعزيز مبدأ التعايش والسلام.

في المرحلة الأولى للمشروع، عرض 20 فيلماً، وفي المرحلة الثانية 13 فيلماً، بين المحلي والعربي وغربي.




فعُرض مثلاً من لبنان "وهلأ لوين؟" (2011)، لتسليط الضوء على دور النساء في نبذ المذهبية والطائفية. وحضر الجمهور الفيلم الأمريكي Rose Water (2014) والذي يسلط الضوء على الدكتاتورية وقضية الإخفاء القسري. كما عُرض الفيلم اليمني "الرهان الخاسر"(2008) الذي تدور قصته حول الإرهاب وأسباب توجه الشباب إلى الحركات المتطرفة في اليمن.


علماً أن انعدام وجود دور عرض سينمائية في اليمن، وأعمال العنف والوضع الإنساني المأسوي، والتضييق على الحريات في زمن الحرب، كلها مشاكل لم تمنع سماح وفريق عمل مؤسسة "صوت" من إطلاق المبادرة.


"سينما صوت هي طريقتنا للمقاومة جميعاً. لم يثنِنا ولا حتى الجمهور من عدم إقامة العروض بالرغم من أننا أحياناً كنا نعرض الأفلام والمبنى يهتز بسبب قصف المبنى المجاور"، تقول سماح التي ترفض الحديث عن المبادرة كأنها ملك شخصي لها. وتضيف: "مبادرة سينما صوت هي نتاج جهود جماعية من فريق العمل والجمهور الذي كان يحضر، جميعاً كنا مصرين على إنجاح المبادرة بالرغم من الظروف الصعبة جداً التي نعيشها".


وظيفة "سينما صوت" بالدرجة الأولى، أن تكون مساحة للتنفيس عن هموم من يعيش تحت الحرب. لكن مناخ الاستقطاب الحاد، بسبب الصراع الدائر حالياً يشكل أحد اكبر العوائق التي تواجه فريق العمل.


يقول صامد السامعي، المسؤول الإعلامي للمشروع: "حتى نتفادى عواقب الحزبية، قمنا بقرار واعٍ منذ البداية، وهو أن يكون تمويل المبادرة من قبل منظمات دولية غير ربحية، مثل الملحقية الثقافية الهولندية في اليمن، ولم نرد أن تكون المبادرة ممولة من أي طرف من أطراف النزاع في اليمن".


وتوضح سماح: "كان مهماً بالنسبة للفعاليات أن تجذب كل المكونات السياسية من دون أي تمييز ليحقق المشروع أهدافه".

كان التضييق الكبير على حرية التعبير تحدياً إضافياً واجهته المبادرة، فقد صنف آخر تقرير صادر من منظمة مراسلون بلا حدود، جماعة الحوثيين في اليمن، ثاني أكبر قامع لحرية التعبير في العالم اليوم، بعد تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي حين لم تتعرض "سينما صوت" لتهديد مباشر، فقد تعرضت لمضايقات عدّة. يقول صامد: "وجدنا مضايقات وسخرية بسبب موقفنا الحيادي في طرحنا على ضوء الصراع القائم. يتهمنا الكثير بأن الحياد في هذا الوقت هو مشاركة في الجريمة. نحاول أن نرد بطريقة مهذبة وألا نستفز أحداً، والأجمل أننا نحظى أيضاً بدعم الكثيرين على السوشيال ميديا، وتلك الشهرة هي بمثابة حماية لنا إلى حدٍ ما".

لكن الشهرة التي تتمتع بها المبادرة لم تتمكن من حماية المصور أسعد العماد، أحد أعضاء فريق العمل، الذي اعتقل لفترة من قبل الحوثيين، بسبب عمله الصحفي التصويري خارج المبادرة.





ثقافة لا تجد تمويلاً

رغم النجاح الذي حققته "سينما صوت" في مرحلتيها السابقتين، إلا أنها الآن تمر بمرحلة تعثر، بسبب غياب التمويل المادي الكافي لمواصلة المرحلة الثالثة من المشروع، التي تطمح لمواصلة أهداف المبادرة في استخدام السينما كأداة لترسيخ مبادئ السلام والتعايش.

حين أجرينا اللقاء الأول مع سماح نهاية العام الماضي، كانت تأمل في أن تجد سينما صوت رداً إيجابيّاً من أكثر من جهة تمويل، لكنها فوجئت بأن المبادرة لم تلاق اهتمام الممولين هذه المرة، الذين رأوا أن اليمن أصبحت أكثر خطراً، ومن غير المنطقي إنجاز مشروع كهذا فيها.

يشعر فريق العمل بالحزن والإحباط، ويرى في هذه الخطوة تخاذلاً من المجتمع الدولي تجاه اليمن.

تؤكد سماح: "كان تفسير الممولين أن الجانب الثقافي ليس أولوية في الوقت الحالي، أخبرونا أن طلبات المشاريع الثقافية لن تؤخذ بعين الاعتبار، ولن تخصص لها ميزانية، إنما فقط قضايا حقوق الإنسان والحكم الرشيد والبيئة هي التي لها الأولوية".

يستغرب فريق عمل "سينما صوت" الاستهانة بدعم الجانب الثقافي في زمن الحرب، فهذه المبادرة أداة لترسيخ قيم السلام بالنسبة إليهم. وتتفق الباحثة اليمنية وإحدى زائرات "سينما صوت" وميض شاكر مع فريق العمل: "إذا كانت السينما ليست أولوية في وقت الحرب، فما الأولوية إذن؟ أخبار المعارك والجبهات؟ صور القتلى والجرحى؟ أصوات القذائف والطائرات؟ لا تتركوا كل شي لهم، أقيموا سينما ومسرح وساحة للغناء والشعر فلعل المكان يضيق بالحرب وترحل".

لم تقف الحرب في وجه فريق عمل "سينما صوت"، ولا الوضع الإنساني الكارثي، ولا الاستقطاب الحاد، بل كانت هذه العناصر كلها حافزاً لإكمال مشروعهم. ففي وقت تخلى الممولون عن دعم المبادرة، بدأ فريق العمل البحث عن كيفية المضي قدماً في إقامة المرحلة الثالثة من المشروع، بالتعاون مع عدد من المنظمات المحلية. كما يبحث تبني إستراتيجية مختلفة في العروض.

ووفقاً لصامد السامعي، يود الفريق إتاحة فرصة أكبر لإشراك متطوعين، وسيعمل الفريق على إشراك الجمهور في اختيار الأفلام. يأمل الفريق أن ترى العروض الضوء قريباً مجدداً، على أمل أن تكون استمراريته دليلاً على إصرار "سينما صوت" على إثبات معنى المقاومة والمسؤولية الاجتماعية في زمن الحرب، بدعم عدد من المنظمات المحلية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*بقلم أفراح ناصر
تم نشر هذا المقال في موقع رصيف٢٢ بتاريخ ٨ فبراير ٢٠١٧

5.12.16

سياسة الصور واليمن: سلاح وقات وكره النساء


*الصورة المرئية جزء لا يتجزء من نظرتنا للعالم، والصورة الموجودة عن اليمن هي أساس ما يعرفه العالم عن بلادي. والفكرة تنطبق على كيف يرى اليمنيون بعضهم بعضاً، لذا أحب أن أقسم النقاش إلى محورين. الأول: كيف يستخدم الإعلام الغربي الصورة في الحديث عن اليمن. والثاني كيف يستخدم اليمنيون الصور للحديث بعضهم عن بعض. بين الصورة السياسية الضالة، والصورة التمييزية على أساس الجنس، تتشتت النظرة الخارجية لليمن.

صورة اليمن في الإعلام الغربي

من الصعب تحديد متى بدأت علاقة الإعلام الغربي بالفن المعماري لصنعاء القديمة. تلك العلاقة كانت أيضاً معدية في علاقة الإعلام العربي باليمن. لا شك أن الفن المعماري الطاغي على صنعاء القديمة صعب تجاهله، لكن اسمها صنعاء "القديمة"، ما يعني أن هناك صنعاء جديدة. اختزال اليمن بكل مدنها وتنوعها بهائل من الصور من صنعاء القديمة، ليس فقط إنقاصاً لحق بقية المدن اليمنية في جمالها الخاص، بل هو أيضاً إرسال رسالة خاطئة بأن اليمن هو مجرد صنعاء القديمة.

وحين يتعمق الإعلام الغربي في نفوس وحيوات اليمنيين، يختزل قضايا الإنسان اليمني، بالسلاح، الثقافة القبلية، القات، وغيرها من المواضيع السهلة والمكررة.


لطالما كانت الصورة النمطية للعرب في الإعلام الغربي مجحفة، فنحن الهمج، الإرهابيون وغير الحضاريين. والصورة النمطية لليمنيين في الإعلام الغربي، تندرج في ذلك، وممكن تلخيصها في فيلم "اصطياد السمك في "ال" اليمن". وهو أفضل نموذج لأسوأ تصوير لليمن، مقتبس من رواية لكاتب لم يسبق له أن زار اليمن. كما لم يزرها أي شخص من فريق الفيلم، حتى الممثلون والممثلات. ولم يجرِ تصوير الفيلم في اليمن. كيف لنا أن نصور بلداً في فيلم من دون أن نلامسها بشكل حقيقي.

 


الصورة كرسالة بين اليمنيين

وفي حديثنا عن الأفلام والسينما، فيلم "نجوم" للمخرجة اليمنية خديجة السلامي، من أهم الأفلام التي استخدمت الصور بشكل صادق كرسالة بين اليمنيين. قصة الفيلم مقتبسة من كتاب "أنا نجوم، عمري 10 سنوات ومطلقة"، وهي القصة الحقيقة لنجود الطفلة اليمنية، التي تُعتبر أول طفلة مطلقة في اليمن. تم تصوير الفيلم في اليمن، وبعد عرضه فاز بعدة جوائز عالمية. الفيلم حقيقي وغير متكلف، رسالته التوعية حول مشكلة زواج الصغيرات في اليمن. لكن للأسف لم يُعرض في اليمن بعد، نظراً لغياب دور سينما، والأهم لتواتر النزاع المسلح، وبدء الحرب منذ إصدار الفيلم عام 2014. لذا فإن الوضع السياسي يُسيطر على أي نقاش ثقافي أو فكري.




نرى الإعلام اليمني مهووساً بالنقاش السياسي المحصور بمواضيع الزعماء. فأحوال الرئيس السابق علي عبد الله صالح، والرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، وقائد جماعة الحوثي عبد الملك الحوثي هي المواضيع التي تهيمن على الإعلام اليمني. صورة هذا أو ذاك الزعيم هي المرآة التي يرى من خلالها اليمنيون بعضهم بعضاً. الاستقطاب حاد، وأي مساحة رمادية في الوسط محكوم عليها بالتبخر.

وفي هذا السياق، أهم ما أثار اهتمامي، قضية "كره النساء"، أو ما يعرف بالإنجليزية "Misogyny". وكيف تم استخدام الصور في النقاش السياسي. على مر السنوات، منذ إندلاع ثورة 2011، وتجربتي مع التدوين، وجدت تكراراً في نمط معين، استخدام صور يرجى منها إهانة الزعيم السياسي. حين يريد معسكر سياسي إهانة زعيمٍ سياسي، فأسهل أمر تصويره على أنه امرأة. مثلاً عندما يُراد إهانة الرئيس السابق على عبدالله صالح، يتم تصويره بالمكياج والحليَ ليبدو كسيدة. وبذلك، يكون هناك ربط بين الوضع المهين للرجل وجنس الأنثى، وأن التعبير عن الاحتقار يمكن تجسيده في وصف الآخر بأنه أنثى.



الصور التالية جمعتُها على مر السنوات الخمس الماضية. مع تطور المراحل السياسية في اليمن، لم يتوانٓ مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في اليمن عن تصميم ونشر هذه الصورة، التي وجدت أحياناً طريقها كلافتة تُستخدم أثناء التظاهرات.




وبالحديث عن التظاهرات، انبهر العالم بمشاركة النساء في ثورة اليمن 2011، ولم يكونوا مدركين أن غالبيتهن تتبع أكبر ثاني حزب سياسي معارض في البلاد "حزب الإصلاح"، وأن خروجهن كان مجرد أمر صوري "ديكوري". أما النساء اللواتي خرجن بشكل مستقل، يتحدينّ نظام صالح، والنظام الأبوي، الذي يفرض على النساء الفصل الجندري في المساحات العامة، لم يجدن اهتمام العالم، بل اصطدمن بجدران النظام الأبوي. تمرد أولئك النساء على هذا النظام، كان مثيراً لحفيظة الرجل اليمني. ففي بداية الثورة، خرجت مجموعة في تظاهرة مختلطة بين الرجال والنساء في صنعاء، وما كان بانتظار المشاركات غير الضرب والإهانة.

النظرة الدنيوية للإناث في اليمن موجودة، وهي جزء من جو عام في العالم العربي، يرى الأنثى عورة. في بداية الربيع، قامت مجموعة من النسويات العربيات بإنشاء صفحة على Facebook، تدعو لانتفاضة النساء في العالم العربي. تهافت على الصفحة المئات من المنشورات تعكس كيف أن الأنثى مواطن من الدرجة الثانية، إن لم تكن أسوأ. لفت انتباهي هذا المنشور من اليمن، الذي يفند كل ما يقول إنه ليس هناك نظرة دنيوية للأنثى في اليمن.



الاحتقار وارتباطه بتصوير الزعيم كأنثى لا يفهمه الرجل اليمني إلا إذا عكسنا الآية. كان لي نقاش مع صديق يمني يحب استخدام صور نساء مثيرة في صفحته على Facebook، لإغاظة المعسكر السياسي الخصم. قال لي: أنا لا أقصد إهانة النساء، لكنني أريد أن أغيظ خصومي. قلت له: هل رأيت فتاة تستخدم صور رجال مثيرة حتى تهين بها خصومها؟ فهم صديقي مقصدي وتراجع بعدها عن ذلك.

مسألة "كره النساء" والإعلام عالمية وليست محصورة في اليمن، ولكن قلما يتم تناولها في الإعلام العربي واليمني. ويزعجني أنه في الوقت الذي نستنكر فيه كيفية تصوير العربي في الإعلام الغربي، لا نستنكر كيفية تصويرنا لنسائنا في إعلامنا، ويهمني هنا بالدرجة الأولى الإعلام اليمني.

منذ ثورة اليمن وصراع بعد الآخر يعصف بالبلاد، ليجعل قضايا الحياة أو الموت من أولويات الحديث عن هذا البلد المنكوب. وسط كل الدماء التي تسفك، لا نجد مساحة نتنفس فيها من خلال نقاشات فكرية منعشة. فمثلاً، هذه المادة كتبتها وانا على دراية بأمرين: إن فكرة المقال منعشة بالنسبة إلي من الناحية النظرية في دراسات الإعلام والتطبيقية في فهم قضايا جندرية. والأمر الآخر هو أنني على دراية أن هناك معسكر "مش وقتها" يترصد لي. رغبتي في طرح موضوع فكري عن الصورة النمطية لليمن في الإعلام، تغلب على قلقي من معسكر "مش وقتها"، وبذلك شرعت في الكتابة.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*بقلم أفراح ناصر
تم نشر هذا المقال في موقع رصيف٢٢ بتاريخ ٥ يوليو ٢٠١٦

20.10.16

مأزق "المُولّد" في زمن الحرب

Photo courtesy: laweekly.com
بدايةً، من هو المُولّد؟ المُولّد مصطلح متعارف عليه في المجتمع اليمني، على أنه اليمني الذي يحمل أحد والديه جنسية أجنبية غير يمنية. أو في أسوأ حالات الحساسية المفرطة التي يظهرها المجتمع اليمني تجاه كل ما هو غريب، المُولّد هو من له أي صلة عرقية في شجرة العائلة بجنسية أخرى غير اليمنية، حتى لو كان جده الثالث في سُلالة العائلة، من جنسية غير يمنية. يُطلق عليه: مُولّد إثيوبي أو مصري.

أُفكر في حال المولدين اليمنيين في زمن الحرب، لأنني واحدة من المولدات الإثيوبيات، وأتفهم تماماً تعقيدات الهوية المزدوجة. وعليه أُركز هنا على المولدين اليمنيين-إثيوبيين. مر نحو عامين على الحرب في اليمن، والغالبية العظمى تحت حصار خانق، بينما السماء تُمطر صواريخ، والقتال المسلح على الأرض لا يهدأ.

يشهد اليمن حصاراً برياً وبحرياً وجوياً، الأمر الذي أدى إلى أن يكون مسرحاً لأكبر نسب النزوح الداخلي في العالم. اليوم، يوجد أكثر من 3 ملايين نازح في اليمن. ببساطة، لا مفر لليمنيين، وحتى إن سنحت لهم فرصة الهرب، تكون عملية الفرار صعبة، ومعقدة أكثر للمولدين اليمنيين، أولئك الذين يعيشون بهوية (ورقية وثقافية) مزدوجة.



الحياة قبل الحرب

ولفهم هذا التعقيد، لا بد من رسم صورة سريعة عن حياة المُولّد اليمني قبل الحرب. لا يوجد إحصاء دقيق لعدد المولدين في اليمن، نظراً لغياب مؤسسات حكومية مهتمة بهذه الفئة، ونظراً لأن المولدين أنفسهم في الغالب، لا يودون الكشف عن أصلهم العرقي الآخر، إلى جانب الهوية اليمنية. ربما يعود عدم رغبة المولدين بالمجاهرة بالأصل الآخر، إلى تعقيدات في قوانين الأحوال المدنية للبلدين، بخصوص حمل أكثر من وثيقة سفر.

من تجربة شخصية، ومن معاملاتي مع المولدين اليمنيين الإثيوبين بشكل خاص، وجدت أن عدداً كبيراً منهم عملوا على مداراة حقيقة هويتهم المزدوجة، بسبب المناخ العنصري الذي يرى أن اليمني الحامل جنسيتين، مواطن من الدرجة الثانية وموضع سخرية.

المجتمع اليمني، مجتمع متجانس، يُفضل ديموغرافية متجانسة، ولديه شكوك تجاه فكرة التعددية العرقية والثقافية. بالتالي، يجد المُولّد نفسه أمام خيارين صعبين، إما أن يُصرّح جهراً بهويته الأخرى ويتحمل العواقب من عنصرية وتمييز، أو أن يُخفي تلك الهوية، ويبذل قصارى جهده لإثبات أنه يمني 100%، بما في ذلك أن يعمل على حمل وثيقة سفر واحدة فقط، هي اليمنية.


Photo courtesy: Raseef22.com

مأزق الحرب

هذه المجموعة الثانية من المولدين، ممن حرصوا على حمل الجنسية اليمنية فقط، ومداراة أي خلفية أخرى، وقعوا في مأزق قانوني في زمن الحرب. فمع نشوب الحرب، نشب الندم في نفوس المولدين اليمنيين، الذين لم يكترثوا في السابق لإثبات ازدواجية هويتهم بأي وثيقة. إذ أعلن عدد من السفارات ترحيل مواطنيهم المقيمين في اليمن، فتدافع الأثيوبيون إلى سفارتهم. وبالرغم من عدم امتلاكهم الجنسية الأثيوبية، ذهب المولدون إلى السفارة الأثيوبية على أمل أن تعترف بأن لهم أصلاً إثيوبياً، فتسمح بترحيلهم. لكن الحقيقة أنهم لم يجدوا العون المفترض، لافتقارهم لأوراق ثبوتية تؤكد أصلهم الأثيوبي.


لذا كان مستحيلاً لعدد كبير من المولدين الإثيوبيين أن ينزحوا من اليمن إلى أديس أبابا، بالرغم من أنهم إثيوبيون أيضاً. وهنا يأسف المُولّد على عهد النكران الذي عاشه طوال الأعوام الماضية. بعض الُمولّدين الذين كانوا يُدارون هويتهم الإثيوبية، يتحسرون على أنهم لم يثبتوا هويتهم ببطاقة هوية أو جواز من قبل. علماً أن قانون الأحوال المدنية اليمني يسمح للمواطنين اليمنيين بحمل أكثر من جنسية في الوقت نفسه. أما قانون الأحوال الشخصية الأثيوبي فلا يسمح بذلك. وهنا، تكمن المعضلة الحقيقية.

زينب*، يمنية تحمل جواز سفر يمنياً وأثيوبياً، حكت كيف استطاعت النزوح إلى أثيوبيا في بداية الحرب. على غير العادة، كانت زينب تُجاهر بأصلها الأثيوبي متحديةً كل التابوهات والعنصرية، فأثيوبيا موطن والدتها ولهجتها اليمنية تُشير بكل وضوح إلى أنها مُولّدة يمنية-أثيوبية. كجزء من عملية تصالح زينب مع تعددية هويتها، عملت على الحصول على بطاقة هوية إثيوبية قبل الحرب بفترة طويلة، ثم الجواز الإثيوبي، فأخفت على السلطات الإثيوبية حملها لوثيقة سفر أخرى. ومع اندلاع الحرب عام 2015، نزحت إلى أديس أبابا كالعشرات من اليمنيين المولدين أصحاب الجواز الأثيوبي، ومن تلاعبوا بالقوانين. كلاجئة مُولّدة، وصلت إلى بلدها الآخر، وهي في حيرة من أمرها، هل تُعرف نفسها بأنها لاجئة أو واحدة من أهل البلد!

أما بالنسبة إلى حسن*، المُولّد اليمني-الإثيوبي، فلم يستطع النزوح مع والديه المولدين الحاملي الجنسيتين اليمنية والأثيوبية كما فعلت زينب. لم يرد أن يحمل الجوازين، فكان يحمل الجواز اليمني فقط، لذا لم تسمح له السفارة بالسفر مع والديه. يخبر حسن أنه كان صعباً عليه تقبّل خلفيته الإثيوبية، إذ لم يستطع مواجهة التمييز أثناء طفولته في اليمن. أراد أن يكون يمنياً 100%، وأن يُعتبر مواطناً من الدرجة الأولى، لهذا لم يتحمس وقت السلم لاستخراج أوراق سفر إثيوبية، وهو يتحسر على ذلك اليوم.

وجدت زينب وأهل حسن والعديد من المولديين اليمنيين-الأثيوبيين الوصول إلى الركن الآخر من البحر الأحمر في أثيوبيا، تجربة، في طياتها مشاعر وواقع متناقض في الوقت عينه. فهم بحكم أوراق السفر الأثيوبية في أرضهم الأم، وبحكم الحقيقة مجرد لاجئين. من المفترض أن يشعروا بالأمن في أحضان وطنهم، لكنهم يشعرون بالضياع. والحق أن مجمل المولدين اليمنيين-الأثيوبيين يعتمدون بشكل رئيسي في التأقلم على البيئة الجديدة، على علاقاتهم الاجتماعية، وعلى أقربائهم وأصدقائهم، الذين يقطنون أثيوبيا، فلا يسعون إلى أي دعم من أي مؤسسة حكومية أو من المنظمات الدولية. ونظراً للتقارب الجغرافي والثقافي بين اليمن والقرن الأفريقي، هناك تاريخ طويل بين البلدين، من علاقات هجرة ولجوء وسفر.

وبالرغم من اختلاف اللغات، فإن المولدين اليمنيين-الأثيوبيين يعتبرون أثيوبيا شبيهة باليمن ثقافياً، الأمر الذي يُخفف شعور الغربة لدى اللاجئ المُولّد، ويساعده في استيعاب هويته الجديدة. أو على الأقل هذا ما يمكن تصوره.

في بداية الحرب، فر نحو 200 ألف من اليمن، بينهم 80 ألف مواطن أثيوبي. من الصعب تحديد عدد المولدين اليمنيين-الإثيوبين بينهم، بسبب التعقيدات القانونية، ولكن يرُجح أنهم كانوا نسبة عالية. ثم مع مرور الشهور اللاحقة للجوئهم في أثيوبيا، لم يستطع الكثيرون منهم التأقلم مع الهوية الجديدة، فما كان من الكثيرين منهم إلا العودة إلى اليمن. اليوم هناك نحو مليون عائد إلى اليمن من النزوح.

كانت زينب من العائدين، فهي لم تستسغ تجربة الإقامة في إثيوبيا. إثيوبيا لم تعد جميلة كما كانت من قبل في نظرها، والحنين إلى اليمن كان أكبر من أي شيء. بعد أربعة أشهر من محاولة التكيف، قررت زينب أن تحمل حقائبها وتعود إلى اليمن. تقول: "ما حد يموت ناقص عمر. أرحم لي أن أموت في بيتي في صنعاء على أن أعيش ما تبقى من حياتي وأنا أحاول التأقلم مع تجربة اللجوء، حتى لو كنت في بلد أمي". عاد والد حسن أيضاً بعد عدة شهور إلى عدن. يخبرني حسن أن تجربة اللجوء لوالده أيضاً كانت صعبة، وأن الحنين لليمن كان أقوى من أي شعور عاشه في إقامته القصيرة في أديس أبابا. تواصلت مع والد حسن حتى أعرف منه السبب الحقيقي الكامن وراء قرار العودة، قال لي بثقة: "عز القبيلي بلاده".

*تم تغيير اسمَيْ زينب وحسن للحفاظ على سلامتهما القانونية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*بقلم أفراح ناصر
تم نشر هذا المقال في موقع رصيف٢٢ بتاريخ 13 أوكتوبر ٢٠١٦

8.10.16

إلى أشرف فياض: الآن أدري ما السر في شعرك الذي أربك السلطات



*لا أدري كيف طعم الوقت خلف القضبان، وبالذات لو كان السجين شاعراً مسجوناً لمجرد أنه كتب الشعر؟ لا أدري أيضاً ما السر في الشعر، الذي أدى لانتزاع حريتك منك؟ ولا أدري بالتحديد، ما الذي في الشعر، الذي يؤدي إلى الحكم بالإعدام؟

كل تلك الأسئلة دفعتني إلى قراءة قصائدك حتى أجد أجوبة. وفي الشهور المقبلة، سأقرأ قصائدك وسأكون سعيدة لسماعي أنه تم تخفيف حكم الإعدام عنك، بعد اتهامك بالإلحاد والحكم عليك بالسجن 8 سنوات. مع هذا، لا يزال بانتظارك عقاب مريع، لا شك أنه يدمي روحك الشاعرة.

أشرف، الآن أدري ما السر في شعرك الذي أربك السلطات الثقافية والمجتمعية والمؤسساتية. السر هو الصدق الذي ليس له مكان في عالمنا الزاخر بالنفاق والكذب والادعاء.

أدركتُ ذلك في رحلة أجريتها أخيراً. كنت في دبي في الشهر الماضي، إذ تلقيتُ دعوة لحضور حفل ضخم لإطلاق قناة إعلامية مهمة. خلال الحفل، كانت لي لقاءات مع مشاهير سعوديين وسعوديات على السوشال ميديا. مشاهير يتمتعون بملايين من المتابعين على تويتر وفيسبوك ويوتيوب، ما يجعلهم ذوي تأثير ونفوذ كبيرين. بعيداً عن الكاميرات والإضاءة والادعاء، التقيت بهم شخصياً. حاولت أن أكون صادقة كما تفعل في شعرك يا أشرف. ومن دون تردد سألتهم: "أتدرون أن السعودية تقصف أبناء بلدي؟ (وكأنهم لا يدرون)، هل أنتم مع القتل؟ هل تدعمون الحروب؟". وفي اللحظة نفسها، أتوا جميعاً بالجواب نفسه: من الذي مع القتل! بالطبع نحن ضد الحروب.

ثم سألت: "إذاً لماذا لا تستنكرون ما يجري؟"، فأجابوا: "سجوننا ممتلئة، تعرفين ذلك".

هكذا، الآن أدري ما السر في شعرك يا أشرف.

يبدو أن الجميع يرتعد خوفاً أمام السلطات، حتى أبناء وبنات أرض أم القرى، الأمر الذي يدفعني للتساؤل: من أين لك كل هذه الشجاعة يا أشرف، وأنت شخص مهاجر في السعودية لأبوين لاجئين فلسطينيين؟ من أين جئت بكل هذه الشجاعة لتحدي السلطة الثقافية والاجتماعية والمؤسساتية؟ كيف أقدمت على ما يهابه الكثيرون؟ يبدو أن الجميع خاسر في الحرب ضد جبروت السلطات. وعليه فأنت، كموطني اليمن، ستعاني ما يجب عليك أن تعانيه ما دام القوي باستطاعته أن يفعل ما يشاء، على حد تعبير ثوسيديديس.

“لايغركم الإبداع الذي لا يقتحم المساحات المحظورة بكل لياقة وصدق. لا يغركم الإبداع المتحالف مع الرقابة الذاتية". كنت أريد ان أردد ذلك على مسامع أصدقائي اليمنيين، وكل متابعي هؤلاء المشاهير، حتى أنشر حقيقة الإبداع الزائف في مجتمعاتنا. ثم أدركت أنني أنا أيضاً مذنبة بخطيئة الرقابة الذاتية، مثلي مثل الجميع.

مهلك عليّ يا أشرف، لا تُطلق عليّ الأحكام، الجميع يدركون أنه من الأرخص أن تقمع خيالك وأفكارك الأدبية، وأنه من المُكلف أن تكون مقداماً وصادقاً في التعبير عن كيانك الإبداعي. مُكلف لدرجة أن حياتك ستكون على المحك. شعرك الصادق هو البرهان يا أشرف. صديقنا أحمد ناجي هو أيضاً برهان آخر. فأنتما الاثنان، بين العديد من الأدباء الشبان المسجونين، كانت لديكما شجاعة التعبير من دون رتوش أو أكاذيب، وسط مجتمعات محكومة بهوس الادعاء. ببساطة، الرقابة الذاتية لم تكن ضمن قاموس خيالكما وأعمالكما الفنية، فكان لا بد من أن تقولا الحقيقة. ويا لها من نتيجة مُكلفة!

هكذا، الآن أدري ما السر في شعرك الذي أربك السلطات.

الجرأة وعدم كبتك في التعبير عن إبداعك كانا مهمين، بمثابة الأوكسجين بالنسبة إليك. أشرف، كنت تتنفس في حريتك من خلال التعبير عن أفكارك بكل صدق. لم تنخدع بحريتنا الزائفة التي تجعلنا نُفكر مرتين قبل أن نتفوه بأي أمر، والتي تتلبسها الرقابة الذاتية حتى أخمص رجليها، والتي ندعي فيها أننا بشر أحرار من دون قيود.

قد يحدث أن يكون حبسك صفعة في وجه الحرية الزائفة والأكاذيب في عالمنا الإبداعي. وما دمت خلف القضبان، وكلفة التعبير بحرية ودون قيود كلفة خيالية، حبسك (وحبس ناجي أيضاً)، هو قيد في معصمنا نحن من نزعم أننا أحرار. قالت Gloria E. Anzaldúa ذات مرة أنها تكتب لأنها تخاف من الكتابة، ولكنها تخاف أكثر من أن لا تكتب. لهذا كانت تكتب.

هكذا أدري الآن ما السر في شعرك الذي أربك السلطات. فأنت أيضاً كغلوريا، كنت خائفاً من أن لا تكتب أكثر من أي شيء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*بقلم أفراح ناصر
تم نشر هذا المقال في موقع رصيف٢٢ بتاريخ ٢٨ يوليو ٢٠١٦

10.4.16

فن الزامل وحرب الأغاني في اليمن


في إشارة إلى تحرير مدينة تعز من قبضة قوات تحالف الحوثيين وصالح على أيدي قوات المقاومة في المدينة، كتب الصحافي اليمني هاني الجنيد على صفحته على Facebook: "إيش شعور الحوثيين الأيام هذه لما يسمعوا الزوامل حقهم؟ ياخي إحراااج".

أتفهم تعليق هاني لأنني حين أستمع إلى الزوامل (أغنيات قبليّة) الحوثية، يُخيل إلي أن انتصار الحوثيين على بُعد خطوة.

هذه عينة من كلمات الزامل الحوثي "جيوش الله في مأرب" لعيسى الليث، أبرز المنشدين الحوثيين في اليمن: "استنفري يا جيوش الله في مأرب، وقت النقا حان ويل المعتدي ويله. جنود ربي حماة الدار تتأهب، والجن والأنس والأملاك تصغي له. الله أكبر صداها في الحشا يلهب، وبندقي في الخصم يدي مواويله. صنعاء بعيدة قولو له الرياض أقرب، يا بندقي لاهنت سامرني الليلة..."




الزامل اليمني

يُعتبر الزامل نوع من أنواع الفنون الغنائية القبليّة التقليدية، وهو قائم على هيئة بيتين أو أكثر من الشعر، يتم تنسيقها بعدة ألحان وأنماط. فهناك نمط الزامل الذي يمتاز بطول أنفاسه، ورتابة إيقاعاته، نجده في العادة في مواقف الترحيب، والفخر، والرثاء. أما النمط الآخر فهو الزوامل السريعة الإيقاع، نجدها شائعة في زمن الحرب، فهي مُسخّرة لتُثير الحماسة في جبهات القتال ولتهز معنويات الخصوم.

بعد أن كان متعارف عليه أن الزوامل تُغنى حين يجتمع الرجال في القرى والساحات، لتلبية أي حادث، تُباع الزوامل اليوم على أسطوانات مضغوطة CD، وتملأ صفحات الـYouTube والـFacebook والـSound Cloud. كل طرف في حرب اليمن تفنن عبر الزوامل والأغاني في الترويج لتوجهاته السياسية والطائفية والمناطقية، فإلى جانب زوامل الحركة الحوثية هناك أغاني الحرب للحراك الجنوبي والمقاومة في تعز وغيرها من المجموعات.



منذ بداية الحرب في مارس 2015 والزامل في رواجٍ لا نظيرَ له. يُفسر ذلك طالب كلية الإعلام في صنعاء والمدون مروان كامل، أن الحرب الدائرة في اليمن أعادت إحياء هذا النوع من الفن الشعبي، ويقول: "الزامل من أبرز الفنون الشعبية المتجذرة في الثقافة اليمنية، وهي قريبة من نفوس اليمنيين، ولها تأثير كبير، فهي تحاكي واقعهم. وللزوامل رواج واسع خلال السنتين الأخيرتين، لكن للأسف تحمل الكثير منها صبغة طائفية ومذهبية".

من أبرز الزوامل الحوثية التي ظهرت خلال الحرب:

يا بنادقنا لا تزعلي منا



يا ملوك المملكة لعن ابوكم من ملوك



عض الزوامل تواكب أيضاً تطورات العملية السياسية من مفاوضات السلام بين الأطراف المتنازعة، إلى رثاء من لقي حتفه في ساحات القتال، كمقتل المنشد الحوثي لطف القحوم في جبهات القتال.


يقبل سعود جنيف وإلا ننتجف

يقبل سعود جنيف وإلا ننتجف
جديد: عيسى الليث زامل : يقبل سعود جنيف وإلا ننتجف كلمات الشاعر أ.عبدالسلام المتميزيقبل سعود جنيف وإلا ننتجف ونجيه باستئصال جذري واقتلاع سمّرت أنا القاذف على عظم الكتفوبندقي هو بعض جسمي والنخاعمحال لا والله ما أنا منصرفيا جعل ساقي الكسر لو ترجع ذراعقل للمفاوض موقف القوة يقفشعبك إلى الجبهات زاد الإندفاعهو قد وصل للياء وعادي في الألفبادع خياراتي وعاد لها اتساع والله لاحرب حرب غير اللي إلفواقلب هجوم الخصم لا وضع الدفاعواطوي خطوط دفاعهم واهجم والفواحرق مرابض طايراته والقلاع يصلى جزا من جنس ماهو يقترفيا ويل ويل الثعل من ثار السباعراكن على الباري بفضله معترفهو ذي نصر جنده على كل البقاعهو سدد التوشكا بدقه للهدفهو ذي وضع فينا شجاعة واندفاعبالرعب خلى الخصم منّا يرتجفوافرغ علينا الصبر في طول الصراعمعه وتحت أمره قسم ما نختلففي يد ابو جبريل قائدنا الشجاعلتحميل الزامل بصيغة MP3 http://www.mediafire.com/download/1sc9zqs7i94c7oz/%D8%B2%D8%A7%D9%85%D9%84+%D9%82%D9%84+%D9%84%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6+%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81+%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A9+%D9%8A%D9%82%D9%81.mp3
Posted by ‎صفحة المنشد اليمني / عيسى اللّيث‎ on Monday, December 21, 2015


زامل "لطف القحوم، ياجبهة الجبهات" لعيسى الليث:



أغاني الحرب الخليجية

على الضفة الأخرى، تستمر الأغنية كأداة صراع وتعبئة سياسية واستعداء. فالخليجيون لم يقفوا مكتوفي الأيدي، بل هناك العشرات من الزوامل السعودية، التي يردون من خلالها على الحوثيين. لكن أكثر منتج غنائي خليجي عن الحرب في اليمن يأتي من دولة الإمارات التي تتطرق إلى دور القوات الإماراتية في اليمن، وعلاقة اليمن بدول الخليج كمكون مهم من الكيان الخليجي. 


زامل سعودي


حسين الجسمي - الفاتحين



حسين الجسمي - محبوبتي



الإشكالية الكبرى في أغاني حرب اليمن الخليجية هي أنها ليست مجرد أغاني وطنية تدعم بها تلك الدول جنودها في اليمن، إنما هي فرصة تستغلها أنظمة دول الخليج لتعزيز هويتها الوطنية على حساب آلام اليمنيين. ويروق للخليجيين أن يربطوا هذه الأغاني باعتزازهم بوطنهم، لكنها في الحقيقة ركن أساسي في نشر بروباغندا أحادية المنظور، لتوجيه المواطن الخليجي والتأثير على موقفه تجاه الحرب.

كما أن هذه الأغاني تبعث رسائل مستفزة ومغلوطة عن علاقة اليمن بدول الخليج. أغاني حسين الجسمي التي أصدرها العام الماضي مثلاً، تروّج للشعور بالفخر في دولة الإمارات بجنودها، لكنها تروّج أيضاً لحب الإمارات لليمن، وتعتبر اليمن مكوّناً مهماً من الكيان الخليجي، وفي ذلك بالنسبة إليّ إيحاء مغلوط. فمحاولات الترويج أن اليمن دولة مقربة من دول الخليج أمر يثير الغضب، خصوصاً لمن عاصر فترة ليس ببعيدة، كانت خلالها اليمن تتأمل وتتفاوض مع دول مجلس التعاون الخليجي بضم اليمن كعضو، بل يثير أيضاً غضب من يعاصر قوات التحالف الخليجية، التي تضيء سماء اليمن اليوم بجميع أشكال السلاح والقنابل والغارات. وأنا أستمع إلى أغاني الحرب الخليجية أستغرب كيف اكتشف الخليجيون فجأة أن اليمن جزء منهم.

أغاني الحرب هي ساحة معركة لكلا الطرفين، فيها أجندة طائفية سياسية ومناطقية. وتمتاز بتوجه استقطابي بالدرجة الأولى، فهي دائماً تعمل على التحريض والتعبئة، وتمجد من يقود الحرب. هي أداء بروباغاندا تعكس الكثير من القضايا السياسية، وتبقى جزءاً لا يستهان به من الدعاية السياسية الملأى بالأكاذيب والتزييف.

-------------------------
بقلم أفراح ناصر
تم نشر هذا المقال في موقع رصيف٢٢ بتاريخ ٢٤ مارس ٢٠١٦

2.2.16

"الربيع العربي: يا ليته لم يكن؟" ماذا يقول الناشطون؟

مدوّنة وناشطة يمنية

*نعم، ليته لم يكن، ولكنه أيضاً كان شراً لا بد منه
كل العواقب السلبية التي تبعت الربيع العربي هي جزء من المرحلة الصعبة من مراحل دورة حياة الثورات بالشكل المتعارف عليه تاريخياً. أستقي إلهامي من تحليل المؤرخ الأمريكي كران برينتون في كتابه "تشريح الثورة" (1938). بعد أن درس كران عدداً من الثورات السياسية، خرج لنا باستنتاج مفاده أن للثورات دورة حياة تبدأ بما يشبه الحمى التي ترتفع بسبب شكاوى أفراد شعب ما، ومن أعراض هذه الحمى انهيار هيكل السلطة الذي يؤدي إلى إنقلاب السلطة الذي يؤدي إلى تولي المتطرفين للسلطة، ثم تستعر الحمى ثم يصبح واضحاً أن الناس لا يتحملون تلك الحمى وتحل سلطة أفضل محلّ هذا الاهتياج، ثم تهدأ الأمور ويصبح الناس أسعد.

بالإضافة إلى ذلك، السؤال أعلاه يُحمّل جيل الربيع العربي الكثير على عاتقه. الأسئلة المماثلة تُحمّل هذا الجيل مسؤولية كل العواقب السلبية للثورات، وهذا الاتهام ليس في محله. فنحن جيل، مثلنا مثل أي جيل، جزء من صيرورة التاريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جزء من إستبيان أعده موقع رصيف٢٢

اليمن: الوحدة والإنفصال وحروب الواتس آب بين النساء


*ثلاث حروب تشتعل في اليمن في آن واحد، حرب إقليمية، وحرب أهلية، وحرب المقاطع الصوتية على الـWhatsapp بين نساء اليمن. من الصعب تجاهل انعكاس الحرب الأهلية في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي على الانترنت. فالخطاب المناطقي بارز فيها بكثافة، كما هو بارز في الحياة العادية. ليس لأن ذلك الفضاء يشكل مساحة تنفيس لم تكن موجودة قبل، إنما لأن هذا الفضاء يعكس تفاصيل فوضى الصراع القائم، لكن بشكل خلاق.


على الرغم من أن نسبة مستخدمي الانترنت في اليمن لا تتجاوز الـ26% من إجمالي السكان، فإن الانترنت أصبح ملتقى الصالح والطالح: النشاط الحقوقي الإعلامي ودعوات الاصطفاف المناطقي.


ويلفت في الـ26% من المهيمنين في فضاء الانترنت، الحضور النسائي. نساء تحدت معوقات تقف أمام المرأة اليمنية في امتلاك المساحات العامة، فشكّل لهنّ الانترنت مساحة تمكين إعلامي. لكن هذا الحضور منقسم، كحال بقيّة أهل اليمن على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى فئة تستخدم الانترنت لنشر أخبار الحرب وضحاياها، وفئة تعمل على الحشد المناطقي، أو لمجرد التعبير عن الذات، وفي كثير من الاحيان تتقاطع الفئات بحسب انتمائها السياسي وتطورات الوضع.


النساء والخطاب المناطقي

لنساء اليمن دور في نشر الخطاب المناطقي عبر هذه الوسائل خلال الحرب، إذ يتّسمن بالجرأة والمشاكسة السياسية، بنكهة جنسية ولغة تعكس تفاصيل محلية بحتة. من أشهر الأمثلة هي مقاطع Whatsapp الصوتية لنساء يمنيات، شماليات وجنوبيات، يتبادلن رسائل نارية سياسية ومناطقية تدعو تارة إلى العداء والانفصال، وتارة إلى الوحدة الوطنية. وهي تذكر بالمشاكسات النسائية التي تحدث بين زوايا مجالس القات والجلسات النسائية الخاصة، التي يعبرن فيها عن آرائهن وأفكارهن، وكثيراً ما تكون النقاشات السياسية العنوان الأول لجلسة القات.

لكن مع ثورة المعلومات، يبدو أن الـWhatsapp أصبح ديواناً بديلاً لكثير من اليمنيات لأسباب تقنية. فهو عملي وأسهل للاستخدام مقارنة ببقية وسائل التواصل الاجتماعية، كما أن عدداً من شركات الاتصالات اليمنية تقدم باقة خدمات أوفر، منها استخدام الـWhatsapp.

ثلاث من أكثر الرسائل التي انتشرت بشكل كبير في اليمن:

رسالة من فتاة شمالية تخاطب فيها الفتيات الجنوبيات (أو الحراكيات كما يطلق عليهن من قبل الشمال) تدعوهن للانفصال:



وفي الرسالة الصوتية الثانية توجه فتاة جنوبية رسالة للفتيات الشماليات أو الدحباشيات (والدحباشي صيغة تحقير يطلقها الجنوبيون على الشماليين):





في الرسالتين، يتجلى حس النساء "الجنسي" وعلاقتهن مع الجنس الآخر، لكن في إطار ترسيخ الأفكار المناطقية والتفرقة بين ما هو شمالي وما هو جنوبي. واللافت أن كل جبهة تستخدم تفاصيل محلية برمزية سياسية، كالحُلبة التي ترمز إلى الشمال، أو البخور والعود والبحر كرمز للجنوب. ووسط الجدال بين الفتاة الشمالية والجنوبية تظهر فتاة شمالية لتؤكد ضرورة التصالح والتمسك بالوحدة الوطنية:



خيال الوحدة الوطنية

تعكس تلك الرسائل الصوتية إشكالية كبرى، هي وحدة اليمن الهشة، وتطرح سؤالاً حول بقاء اليمن موحداً بعد انتهاء الحرب. فالوحدة اليمنية التي رأت الضوء عام 1990، لم تحقق تطلعات كل اليمنيين، بل كانت سبباً في خلق شرخ بين الشمال والجنوب، حتى وصلت البلاد إلى طريق مسدود، واندلعت الحرب الأهلية عام 1994.

وبالرغم من أننا في المدارس في صنعاء تعلمنا أن تلك الحرب كانت "حرب الانفصاليين"، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أنها كانت حرباً أهلية بامتياز، وهذه المرة من الصعب إلغاء فكرة الحرب الأهلية القائمة، فالبراهين تملأ فضاء الانترنت. لو أمعنّا النظر في التعبير الذي تعلمناه، نرى إشارة إلى أن الشمال هو الأصل والجنوب هو الثانوي، وأن الشمال هو النزيه الذي يقدس الوحدة وكل ما هو نبيل، والجنوب هو من يدعو للانفصال عن الأصل. بالطبع لم يدرك عقلنا البسيط أيام الدراسة هذه الدلالات، وفي مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، مشت البلاد قدماً في ترسيخ فكرة المشروع الوطني الواحد الموحد، ولكن مشاعر العداء بين الشمال والجنوب كانت في تنام مستمر في الوقت نفسه.

في كل زيارة لي ولعائلتي إلى عدن بعد عام 1994، وقبل ثورة عام 2011، كنت أرى كيف تتلاشى فكرة الوحدة الوطنية. في زياراتنا كنت نتوخى الحذر في الإفصاح عن أننا من صنعاء، لنوفر على أنفسنا عناء أن يتم نعتنا "بالدحابشة". وكنا نتظاهر بأننا من أهل عدن، فنحاول أن نسرق بعض الكلمات العدنية ونتباهى بها أثناء تجولنا في الأسواق أو المطاعم.

بمرور السنوات، وبعد الثورة لم يكن هناك مجال للتظاهر. فمطلب الانفصال (أو الاستقلال كما يريده الحراكيون) صار يُذكر بصوتٍ أعلى، وبات العداء حاداً. ومع هذه الحرب صارت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة جديدة لهذا العداء.

______________________________________
*نُشر المقال على موقع رصيف٢٢ بتاريخ ٧ يناير ٢٠١٦.